وقول الله جل وعلا هنا: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194] ، هذا كما تقدمت الإشارة إليه أن الله عز وجل حينما امتن على نبيه عليه الصلاة والسلام بالاعتمار في العام السابع بين أن ذلك قصاص للعام السابق, وحمل بعض العلماء هذه الآية وهي قوله جل وعلا: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194] ، أي: أنه كما يحرم على المشركين القتال فيحرم على المؤمنين أيضًا, فإذ استباحوا القتال في الأشهر الحرم فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوا؛ لأن القتال قد وقع، فإذا وقع القتال من أمة واحدة فإن النقض في ذلك واقع، فحينئذ إذا دافع المؤمنون عن أنفسهم لم يكن ذلك نقضًا لكلام الله؛ لأنهم قد استباحوا هذه الأشهر فجعل الله عز وجل تلك الحرمات قصاصًا أيضًا, فإذا استحلوا شيئًا من حرمات الله وجب على المؤمنين أن يعتدوا بمثل ما اعتدي عليهم, ويبين هذا قول الله سبحانه وتعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194] ، أي: جعل الله عز وجل العدوان الذي يكون من المؤمنين بنفس ذلك العدوان الذي اعتدى به المشركون على المؤمنين، وهنا المثلية فيها إشارة إلى عدم جواز البغي, وهل هذا مطلق أم هو مقيد بمثل هذا الحال؟ نقول: هو مقيد, وذلك بتلك المرحلة, وهي مرحلة أنه لا يجوز للمؤمنين أن يقاتلوا إلا من قاتلهم في الأشهر الحرم؛ وذلك حفاظًا على هذا الشهر وحرمته, حتى لا تنتقص هيبة المسجد الحرام فيتقاتل الناس على أطرافه.