نقول أيضًا: ثمة قرينة تواجه تلك القرينة، أن ما كان مستقرًا فإن نقل النص فيه تكلف، ولهذا تجد العلماء والفقهاء، وكذلك أيضًا المحدثين، والوعاظ لا يتحدثون مثلًا عن عدد ركعات الصلوات، كصلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء باعتبار أنها مستفيضة، بل إن الإنسان ربما يمر عليه عام وعامان وثلاثة لم يسمع أن أحدًا تكلم على أن صلاة الظهر أربعًا باعتبار أنها عمل مستفيض، وإنما يتكلمون عن القدر الزائد عنها، وهي الإتيان بها بخشوع، والإتيان بواجباتها وشروطها، والتبكير إليها، وغير ذلك من الأحكام التي يقع فيه القصور. فإذا كان الأمر مستفيضًا ومستقرًا فإن إيراد النص فيه، والتقاطه من أفواه الفقهاء قليل، ثم لا ينقله إلا قليل العلم، وهذا أيضًا له أثر حتى في أبواب الفقه، وله أثر في أبواب العلل، فإذا وجدت مجموعة من الطرق على مسألة مستفيضة، فإن هذا من قرائن الإعلال، وهذه ينبغي ألا ترد أصلًا كما أن ورودها بأكثر من طريق وهي من الأمور المستفيضة المتقررة في الدين أن العلماء لا يتكلفون بإيراد الطرق لها.
قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:196] ، تقدم معنا أن الأمر إذا جاء في كلام الله سبحانه وتعالى، ثم أعقبه بشيء من الوعيد، أن الوعيد في ذلك متعلق بالتقصير في الإتيان بذلك المأمور، وذلك أن الله عز وجل قد ابتدأ هذه الآية بقوله جل وعلا: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] ، ثم ختم الله عز وجل ذلك بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:196] ، فأمر بتقواه بعد أن أمر بإتمام الحج والعمرة لله، وما تبع ذلك من أحكام، ثم بيّن شدة عقابه على من فرط بهذه الأحكام متعمدًا.