وقوله: لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196] ، في هذا التقييد فيما أوجب الله عز وجل على من لم يجد الهدي في صيام هذه الأيام العشرة؛ لأن من كان حاضرًا المسجد الحرام لا يجب عليه عمرة أصلًا، فلا يجب في حقه حينئذٍ التمتع، وإذا لم يجب عليه التمتع، فإنه حينئذٍ لا يشرع له هدي التمتع، وإنما ما كان في حق المكي أن يكون مفردًا للحج، بل ذهب بعض السلف إلى أن المكي لا تشرع له العمرة على الإطلاق، وإنما الذي يشرع له الطواف. جاء ذلك عن عبد الله بن عباس فيما روى ابن أبي شيبة وكذلك البيهقي من حديث عطاء عن عبد الله بن عباس قال: ليس على أهل مكة عمرة إنما عليهم الطواف. وجاء هذا أيضًا عن عطاء بن أبي رباح، و طاوس بن كيسان وقال به الإمام مالك رحمه الله وغيره من الفقهاء، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله. ولهذا نقول: إن الإنسان إذا لم يكن من أهل المسجد الحرام فإن حكمه على هذا الأمر، ولكن قد يقول بعض المفسرين: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما نهى عن العمرة مع وجود بعض من آمن في مكة أو بقي فيها، وكذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من الخلفاء الراشدين لم يثبت عنهم ذلك، فنقول: إن هذا أيضًا أمارة على استقرار الأمر، فاستقرار الأمر عند السلف قرينة على عدم الحاجة إلى النص، ولهذا كثير من الأحكام المستقرة المستفيضة لا تكثر ورودًا في أقوال الفقهاء من الصحابة وغيرهم؛ لأن العمل عليها، وهذا كثير، لهذا تجد كثيرًا من الجزئيات التي فيها خلاف، أو من الدقائق التي تجهلها العامة تجد أن أقوال الفقهاء فيها أكثر وأشهر من غيرها، أو ربما ترد بأسانيد أكثر وأتم، وهذا معلوم. وأما ما كان من الأصول أو ما يحتاج إليه، أو تتداعى الهمم على نقله ولم ينقل، فإن هذا من قرائن عدم وجوده.