وتعالى مع حكمته ظهر من فتنة يهود فأراد الله سبحانه وتعالى في ذلك ابتلاءً لأهل الإيمان؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في مرحلة بداية، فيحتاج إلى تمحيص من كان معه وابتلائهم بشيء من الإيمان، فجاءت آيات النسخ وتغيير الأحكام لصالح هذه الأمة، فأراد الله عز وجل من ذلك ابتلاء, ولكن بعد انتهاء التشريع فإن الابتلاء في ذلك للناس ربما يكون صدًا لهم عن دينهم، خاصة عند عامة الناس، ولهذا لما كانت تغيير القبلة كان ذلك ممسكًا ليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم بزعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما تغير عن ذلك أنه ترك البر الذي كان عليه، حتى ذكر بعض المفسرين إنهم اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالاضطراب في دينه, وأنه لم يكن يدرك الأمر من أوله, وإنما كان يغير بحسب ما يريد، لعنهم الله، ولكن الله عز وجل أراد من ذلك أن يبين الحكمة من ذلك، وهي: أن هذه المعاني لا يدركها إلا من جمع هذه الأوصاف، وأن الله عز وجل في ذكره لإيتاء المال على حبه ذوي القربى أراد بذلك إثبات اليقين بالقلب لا ذات العمل، وأن الإنسان في إيتائه للصدقة على ذوي القربى مع محبته لها مقدمة على استقبال القبلة ولكن المراد بذلك هو إثبات تمام اليقين في القلب، وهذا هو المقصود في ذلك، ويظهر هذا في آخر الآية في قول الله عز وجل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا [البقرة:177] ، فأراد الله عز وجل أن يثبت تمام الصدق حتى يدركوا العلل من تغيير الأحكام الشرعية, ولهذا قد يفتي عالم في مسألة من المسائل من الأحكام الشرعية ثم تأتي حال أخرى، هو لم يتغير من جهة ذاته ولكن تغير في تنزيل الحكم، فيقولون: اضطرب فلان بقوله ولم يعرف له وجه في مسألة من المسائل, وهذا إنما يتشبث به من ضعف إيمانه ممن لم يكن من الذين صدقوا، خاصة إذا ظهرت الأدلة, فإنهم يتشبثون بالظواهر كما يتشبث اليهود والنصارى بظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان إلى بيت المقدس ثم اتجه