فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 1575

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته عند رأسه) ، وهذا الحديث في الصحيح، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (ما حق امرئ مسلم) ، هل هذا يفيد الوجوب أم لا؟ نقول: الأصل في الحق كما في هذه الآية في قول الله عز وجل: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:180] ، الأصل في ذلك أنها تفيد الوجوب، وظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك متأخرًا، في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، فنقول: إن هذا الحديث عام، وأولى من يفهم الحديث هو راويه، وقد ثبت عن عبد الله بن عمر أنه لم يوص، كما روى ابن جرير الطبري من حديث أيوب عن نافع أنه قال: لم يوص عبد الله بن عمر عليه رضوان الله, فقال: أما مالي في الحياة فالله أعلم ما عملت به، يعني: يريد أن يضمر ما أنفقه في سبيل الله عز وجل من خير، وأما رباعي فلا أحب أن يشرك أبنائي فيها أحد، فهذا عبد الله بن عمر عليه رضوان الله وهو راوي هذا الخبر يوجه معنى الحديث ولا يعارضه، ومعلوم أن من قرائن صرف الوجوب: أن الأمر إذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خالفه الراوي الذي رواه، فإن هذه المخالفة إما أن تكون مخالفة مضادة لأصل الحديث؛ فإن هذا يتوجه إلى إعلال الخبر، وإما أن يمكن مع ذلك الجمع؛ فتكون حينئذ من باب التخصيص والتقييد، فإن ذلك لا يقال لا بالإعلال، ولا يقال أيضًا بالراجح والمرجوح، فيجعل الموقوف مفسرًا له، وهذا عند العلماء فيما يرويه الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي قول عنه يخالف ذلك المرفوع الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل عبد الله بن عمر عليه رضوان الله يتمحض فيه الصدق والتعبد؛ لأن قوله ذلك كان في حضرة الموت، وهو أدعى للإنسان أن يستحضر المسألة، وأن تكون ظاهرة عنده، كذلك أبعد أن يقال: أفتى عبد الله بن عمر في حالة خاصة ونحو ذلك, وإنما هو عمل به بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت