فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 1575

إذًا: الذي يعمر ويخلد في الأرض إذا أبقاه الله عز وجل من غير أن يستخلف إلى أن تقوم الساعة, فهؤلاء لا ينتشر فيهم الفساد؛ لأنهم يتعظون من أول زلة, وأما الذي يخلف بعضهم بعضًا, فإنه يموت هذا ويموت خبر السوء معه, ويأتي ابنه جديدًا إلا بشيء من موروث العلم, ثم بعد ذلك تقع الأخطاء ويقع الفساد؛ لأنهم ما ذاقوها بأنفسهم كما ذاقها آباؤهم؛ لهذا يوجد في الناس الذين يكثر فيهم التخالف الفساد. ونأخذ من ذلك فائدة أنه كلما قصرت أعمار الأمم كثر الفساد فيهم, وكلما طالت أعمار الأمم قل الفساد فيهم, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) , فإذا لدغ في أول عمره فلا يلدغ في آخره ولو ارتد الأمر؛ لأنه يعلم ذلك ويدرك أنه أصيب به من أول الزمن, ولهذا فهم الملائكة من وجود خلائف في الأرض أنه سيوجد فساد، وسيوجد تقاتل لوجود التنافس في هذا الأمر. نأخذ من ذلك حكمًا وحكمة سياسية في هذا الأمر أنه ينبغي للساسة والحكام ألا يكثر الناس في المدن والأمصار, فإن الناس كلما كثروا واجتمعوا على نوع من التخالف كثر الفساد فيه, وعلم بالتجربة أن المدن كلما كثر فيها الناس كثر فيها الفساد, وإذا قل فيها الناس قل فيها الفساد, ولهذا تجد القرى يقل فيها الفساد لقلة العدد, فكلما كثر العدد وزاد التخالف في الناس والتكاثر وقربهم مع بعضهم فإنه يزيد فسادهم ويجسر بعضهم بعضًا على الشر, وهذا من أمور السياسة الشرعية. قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] , بدأ بعموم الفساد مع أن سفك الدماء داخل في ذلك وهذا من عطف الخاص على العام, وأرادوا بذلك أن يدخل فيه عموم الفساد في الأرض: الفساد اللازم في الإنسان, والفساد المتعدي إلى غيره على اختلاف أنواعه, وخصوا القتل لعظم منزلته, فأعظم جرم يفعله الناس فيما بينهم هو القتل؛ ولهذا خصه الملائكة بذلك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت