والإيمان إذا تحقق في الإنسان فإنه يؤدي إلى استدامة الدعاء, واستدامة الدعاء من أعظم أنواع العبادة, وهذا في مقام الربوبية والألوهية فقط؛ وذلك أن الخلق إذا سئلوا ملوا وكرهوا, والله عز وجل إنما سمى نفسه بخير الرازقين؛ لأنه يحب أن يُسأل ليعطي, وسمى نفسه بخير الرازقين سبحانه وتعالى؛ لأنه يعطي الكافر والمؤمن؛ وثمة علة وهي: أن بعض الناس يسأل ويقول: لماذا الله عز وجل يرزق الكفرة وهم يحاربون دينه ويبقي الناس أحياء ولو كانوا يستهزئون بدينه؟ نقول: إنما ينتقم من يتأذى, وأما من لا يتأذى فالأمر على السواء عنده, فالله عز وجل المحسن والمسيء عنده من جهة ذاته سواء, لا يرفع إليه الخير من المتعبد ولا يصله سوء المسيء, ولهذا الإنسان إذا بلغه أن أحدًا أساء إليه وهو لا يتضرر به ولا يأبه به لا ينزل به عقوبة؛ كحال الإنسان مثلًا إذا كان خارجًا من المسجد, ثم مر به صبي عمره سنتين وثلاث, ورمى عليه من الكلام الفاحش, فإنه لا يغضب بل يمضي؛ لأن مثل هذا الصبي لا يؤذيه, لكن لو جاءه جاره وهو رجل كبير وعاقل, ثم رمى عليه كلامًا, فإنه يأتيه دافع بالانتقام الحمية, ومحاولة الانتصار، وإن كان له يد خير عليه قطعها؛ لأنه لو لم يتأذ حسًا تأذى معنويًا, ولهذا الله عز وجل خير الرازقين يعطي الكافر ويعطي المؤمن, ولهذا الشر لا يصل إلى الله سبحانه وتعالى حتى تطلب من الله الانتقام من أولئك. والله عز وجل ينتقم من الكافر نصرة للمؤمن بإيمانه, ولهذا لو كان الكافر بذاته يعاقب لعاقب الله عز وجل الكفرة بذاتهم من غير بلاغ, وذلك للاستدلال على ذلك بأمر الفطرة, فإن الله عز وجل قد أخذ العهد والميثاق على عباده قبل أن يخلقهم.