وهذا إشارة إلى شدة الخفاء والسرية في نفقته, فكان ذلك أعظم من غيرها, ولكن هل هذا على إطلاقه؟ نقول: هذا ليس على إطلاقه, بل قد تكون النفقة النافلة علانيتها أفضل من سرها, إذا كان أثر العلانية على الناس والمسلمين أعظم وأظهر, وذلك كأن يكون الناس في فاقة, ويحتاجون إلى أن يتداعوا, فيجمعون الناس ثم يقوم بالإنفاق أمامهم حتى يتداعون, لأن النفوس تحب المنافسة في أعمال الخير, وربما أن هناك من أصحاب النفوس أو قلة اليد فيجد حرجًا من النفقة بالقليل, فإذا وجد من يعينه ويشاركه بإخراج القليل, دعاه ذلك إلى عدم الاستحياء, فإن النفوس تنفر من الإنفراد بالعمل, وتحب ولا تستوحش بأمر الجماعة. ولهذا جاء في صحيح الإمام مسلم وغيره, من حديث المنذر بن جرير عن أبيه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه أقوام مجتابي النمار من مضر, قام النبي عليه الصلاة والسلام فخطب الناس، ثم حثهم على الصدقة, فجاء رجل بشيء من الصدقة تقله يده, ثم وضعها، ثم جاء هذا بمده، وهذا بصاعه, حتى تهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة) .وهذا فيه إشارة إلى علانية الرجل, فجعل النبي عليه الصلاة والسلام عمله ذلك لما كان له الأثر في دفع الناس إلى الصدقة. كان أعظم من غيره؛ لأنه أتى أجور غيره, ولو أسرها كانت صدقة لازمة وما أخذ أجر التابعين. ولهذا نقول في مثل هذه الأحوال: إن هذا مما لا حرج فيه, بل يتأكد في مثل هذا الأمر, ولكن إذا كان الإنسان ينفق وحده ولا يحتاج أن يستحث أحدًا أو يخبر أحدًا إلا ليعلمه, فنقول: الأفضل في ذلك الإسرار, أو غلب على ظن الإنسان أنه إذا أنفق ألا يقتدي أحد من الناس به, فالأفضل في حقه أن يسر بصدقته؛ وذلك لأمور: الأمر الأول: أن هذا أدفع للرياء وحب العجب والإخلاص.