ولهذا نقول: إن أثر الطاعات بالأعمال الباطنة أكثر من الأعمال الظاهرة, فربما ينفق الإنسان ألف ألف دينار وهو مليون, ولكن في قلبه شائبة رياء, ومن الناس من ينفق درهمًا أو دينارًا, فبركة هذا عليه وتكفيره لسيئاته أعظم من ذاك, ولهذا تجد كثيرًا من الناس ممن ينفق وينفق من ماله, ولا يجد بركة ذلك في نفسه, والسبب في هذا أن هذه الأشياء التي تنفقها هي شبيهة بالقطن والإسفنج, وهي ضخمة لكن من جهة وزنها لا قيمة لها, فأثرها عليك ضعيف, لا في انشراح الصدر ولا في بركة المال, فيقول: إني منفق, أنفق نفقات كثيرة, ولكن أثرها في بركة المال وبركة الولد وبركة النفس وضيقها وحرجها في هذا ظاهر. ولهذا نقول: إن الأثر إنما هو بالعمل الباطن لا بالأمر الظاهر, ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على أمر البواطن وهذا ظاهر في سياق الآية؛ لأن الآية جاءت في الإعلان والإسرار, وما جاءت في الكثرة والقلة. وفي هذا أيضًا الدلالة على الأصل, وقد تقدم الإشارة معنا في هذا, أن الحسنات تكفر السيئات, وهذا باتفاق العلماء, وهو ظاهر في قول الله جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] . أما عكس هذه المسألة وهي السيئات: هل تمحو الحسنات أم لا؟ هذا محل خلاف عند العلماء, على قولين. ذهب جماعة إلى أن السيئات لا تمحو الحسنات, وهذا قول طائفة من أهل السنة, وهو قول المعتزلة أيضًا, وذهب طائفة من أهل السنة إلى أن السيئات تمحو الحسنات كما أن الحسنات تمحو السيئات. والصواب في ذلك أنه كما أن الحسنة تمحو السيئات, فالسيئات تأتي أيضًا على الحسنات, وهي مغالبة في هذا, فالغلبة في هذا للأقوى.