فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 1575

وهذه الآية -وهي آية كتب الوصية عند حضور الأجل- بينها الله سبحانه وتعالى قبل آية المواريث، وذلك أن الله جل وعلا جعل الوصية في هذه الآية للوالدين والأقربين، ومعلوم أن الله عز وجل قضى على لسان نبيه: (ألا وصية لوارث) ، كما جاء في السنن من حديث عمرو، وجاء عند أبي داود و الترمذي من حديث أبي أمامة كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) ، والله جل وعلا إنما ذكر الوالدين في هذه الآية؛ لأن الجاهليين يتنكبون الوالدين ويتعمدون ذلك، وربما تنكبوا الأبناء والبنات أيضًا، ومن إضرارهم في أمر الوصية أنهم يجعلون الوصية أولى من حق القرابة والرحم، فلو أوصى لبعيد وجب أن يقضى بها ولو كان من دونه ممن له حاجة؛ فإنها تمضي، وكذلك فإنهم ربما يوصون بما يخالف الحق حتى في العرف، ذلك أنهم يقدمون أمر الوصية حتى على الدين الذي يكون في عنق الإنسان، فإذا أوصى الإنسان لأحد من الناس فلا يقضى دينه, وإنما يتوجه إلى الأمر بالوصية، ولهذا فرض الله عز وجل الوصية بالعدل، وجعلها الله عز وجل للوالدين والأقربين؛ ضبطًا لما تعدت مما توسع به الجاهليون في ذلك، ولهذا يقول بعض أهل العلم والتاريخ: إن العرب يوصون للأبعدين للفخر، ويدعون الأقربين للفقر، يعني: أنهم يلتمسون مدح فلان وفلان إذا كان بعيدًا ويدعون القريب، فجعل الله عز وجل الوصية هنا للأقربين، وجعل أولى الأقربين في ذلك الوالدين، والله سبحانه وتعالى استعمل لفظ الوجوب في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ [البقرة:180] ، ولهذا استدل بهذه الآية من قال بوجوب الوصية، مع أن العلماء عليهم رحمة الله مع قولهم بالنسخ قالوا: إن أصل التشريع لا ينسخ؛ باعتبار أن هذا الأمر ما أراد الله عز وجل نسخه لذكر الله عز وجل له في آيات المواريث؛ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ [النساء:12] ، مع أن الله عز وجل ذكر التفصيل في ذلك, مما يدل على أن الوصية معتبرة في ذلك حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت