ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى يعطي الإنسان بدلالته على الخير ما لا يدركه ولا يعلم به إلا عند ربه، فكثير من الناس يظن أن المنفعة في أن الإنسان يكتب كتابًا ثم ينتفع به الناس، وهذا ليس بصحيح، بل إنك ربما تتكلم بالكلمة فيضبطها الله عز وجل في أذهان الناس، كما تكتبها في ورق فيعلم الله أن هذه وقعت في ذهنك مكتوبة، وانتقلت من ذهنك إلى ذهن فلان أحصاه الله ونسوه، ولهذا نقول: ما يتناسخ من معلومات في أذهان الخلق هي مدونة عند الله عز وجل، فأنت تصلي ولا تعلم من علمك, وتسبح ولا تعلم من علمك, وتقرأ الفاتحة ولا تعلم من علمك ذلك، ولو سئل الجميع في هذا المسجد: من هو الذي علمك سورة الفاتحة التي هي ركن في الصلاة؟ ما أجاب أحد منكم جوابًا صحيحًا، لكن الله عز وجل يعلم، وهذا العلم الذي لديك، وعلمته غيرك هو للأول وهكذا، ويبقى عند الله عز وجل، ولكن الناس دائمًا يتعلقون بالمحسوسات, ويظنون أن الله عز وجل يكتب على ورق، وهذا غير صحيح، فالله عز وجل يعلم بلا ورق، يحصيه الله عز وجل وإن نسيه الناس, والله عز وجل إنما يجعل الملائكة تكتب ليس لأجل الحفظ وإنما لإقامة الحجة، فالإنسان تمد له السجلات، فيقال له: هل تنكر منها شيئًا؟ مجرد إثبات، ولهذا لشدة عناده يقول لربه سبحانه وتعالى: لا أرضى بشاهد إلا من نفسي، يعني: كل الخليقة عنده كاذبون، ثم يضرب الله عز وجل على فمه فتتكلم أطرافه؛ يده ورجله وفخذه وفرجه ولسانه بما عمل، وهذا إنما جعل الله عز وجل على الناس من يدون عليهم ويحصي عليهم آثامهم، ليقيم الله عز وجل الحجج على عباده، ويقطعها عليهم حال عنادهم واستكبارهم.