استدل بهذا على جواز الصدقة على أهل الكتاب وغيرهم تأليفًا لقلوبهم, من العلماء من قال بجواز الصدقة, ولو لم يقصد تأليف القلب, كأن يكون فقيرًا أو نحو ذلك, قالوا: لأن التقييد في آية الأصناف إنما هو في أمر الزكاة, ولا يدخل في ذلك غيرها. ومن أجاز ذلك في الصدقة فإنه يجيزها في الحالة الثالثة وهي مسألة الهبة والهدية وغير ذلك, فيقول: إنه يجوز للإنسان أن يعطي كافرًا هدية, ولو لم يكن تأليفًا لقلبه, إذا جاز هذا في الصدقة عنده فيجوز في باب الهدية من باب أولى. نقول: إن الأدلة التي وردت عن السلف في الهدية للكافر لأن أصل في الهدية هو تأليف للقلب, ولو لم ينص على هذا, ولهذا جاء في الخبر في حديث أبي هريرة وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: (تهادوا تحابوا) ؛ لأن الأصل في إعطاء الهدية أنها تجلب المحبة، والنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها, فإذا أعطيت أحدًا هدية أو جاء عن السلف أو عن النبي عليه الصلاة والسلام في مسألة الهدية للكافر؛ لأن التعليل في ذلك ظاهر, ولا يحتاج إلى أن ينص عليه. ولهذا نقول: إن أكثر العلل في الشريعة لا ينص عليها؛ لظهورها وجلائها في عقل الإنسان, وهذا أمر معلوم في مسألة الهدية, ولكن نجد أن العلماء حينما يتكلمون على مسألة الزكاة والصدقة والهدية, يتكلمون في المشرك أو الكتابي الذي ليس محاربًا, فأما المحارب فلا يعطى من ذلك شيئًا؛ لأنه يتربص بالمسلمين, وينتظر ضعفًا فيهم, فربما أدى ذلك إلى تقويته, وهل هذا على الإطلاق؟ نقول: ليس على إطلاقه, فربما يعطى الحربي إذا غلب على الظن أن الهدية تكسر قلبه, وتضعف أثر العداوة فيه, وربما لحق بالمسلمين, ويشترط لهذا أن تكون الهدية عادة لا تقويه على المسلمين, وذلك كهدية القميص وأشباهها من الهدايا التي لا تكون سلاحًا أو مالًا يتقوى به الإنسان أو غير ذلك. والدليل على هذا: أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى بعث إلى أخيه قميصًا بمكة, وكانت مكة زمن حرب.