ويعظم ذلك بعظمة حال الأسير, فالاثنين أعظم من الواحد, والثلاثة أعظم من الاثنين, والمرأة أعظم من الرجل, وربما المرأة أعظم من مجموعة الرجال؛ وذلك لتعدي ذلك على النفس والدين والعرض, وأما بالنسبة للرجل فإن الأمر يكون على نفسه وعلى دينه, وكلما اشتدوا في ذلك الأمر اشتد وجوب وتأكيد ذلك. وقد سأل الإمام مالك رحمه عن مسألة فكاك الأسير فقال: أليس يجب علينا القتال لإخراجهم, فإن المال من باب أولى, يعني: أنه إذا وجب دفع النفس والدم, فإن دفع المال من باب أولى لإخراجهم. والإمام أحمد رحمه الله يقول: لا أعلم أنهم يفادون بالمال, يعني الأسرى إذا كان ثمة مال, ولكن يفادون بالرءوس, وكأن الإمام أحمد رحمه الله يرى أن المسلمين يأخذون أسارا ليفادوهم. والإشارة من الإمام أحمد رحمه الله في هذا, (لا أرى) أنه لا يجيز إخراج الأسير بالمال, وكأنه يريد أن يبين أن حال النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنهم لا يخرجون الأسير بالمال؛ لأن في هذا نوعًا من الذل, وأما الأسير فيخرجونه بأسير آخر؛ للندية؛ لتظهر في ذلك القوة, ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: يخرج الأسير بالرءوس, أما بالمال فلا أعرفه, يعني: لا أعرفه عن الصدر الأول, وإنما يكون برأس فيأسر المسلمون من المشركين حتى يفادوهم. أما مسألة الفدية بالمال وإيجابها وحقه في ذلك إذا كان الاقتصار عليها, فلا أظن أن الإمام أحمد رحمه الله ممن لا يقول بذلك, ولكنه يريد من ذلك العزة والقوة, أن يكون الفدية بالنفوس لا بالمال, حتى لا يكون في ذلك استضعافًا لحال المسلمين, واستنزافًا أيضًا لأموالهم.