وكان الناس على اختلاف أنواعهم من أهل المال يتسامحون في هذا الباب، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حجة الوداع: (ألا وإن ربا الجاهلية موضوع) ، ربا الجاهلية هو هذا المقصود، زد في الأجل وأزيد في المال، (وأول ربًا أضع ربا عمي العباس) ، كان العباس يتعامل في التجارة في هذا الأمر كغيره، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العباس؛ لأن القضاء في الأقربين أولى من القضاء في الأبعدين، ولهذا الحاكم اذا أراد العدل في الناس فليطبق الحدود في الأقربين؛ لأنه يتأدب الأبعدون برؤيتهم بعقاب الأقربين؛ لأنهم لا يرون استثناءً، وإذا رؤي استثناء في الأقربين فكل يرجو اللحاق بذلك فيتساهلون، بل ربما يظنون أن التمرد على الحقوق وعلى أمور المظالم والحدود أنها تلحق بهم أوصافًا في حال وصف الكبراء وأهل السيادة وغير ذلك؛ لأنهم يوصفون بالاستثناء في هذا الباب، ولهذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالأقربين حوله عليه الصلاة والسلام في قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أول ربًا أضع ربا عمي العباس، ألا وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضع دم ابن ربيعة بن الحارث) ، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن دماء الجاهلية كثيرة، والربا الذي يبيعونه كثير، ولكن ذكر هؤلاء الأقربين، لأنك: إذا بدأت بالأقربين فليحذر الأبعدون من هذا الأمر، فإنهم أولى بإنزال العقوبة، وذلك أن الإنسان ربما يمتنع عقوبة محاباة مجاملة، في حب لابنه، أو لأخيه، أو لعمه، أو لقريبه، ولكن بالنسبة للأبعدين فلا يوجد بينه وبينه مودة، ومع ذلك أنزله في الأقرب، فإنه يدل على أن الأبعد في ذلك من باب أولى.