والنوع الثاني من أنوع الاختلاط: وهو الاختلاط العابر الذي يكون في الطرقات، فتقصد المرأة طريقًا يقصده الرجل، فهذا يرخص فيه لحاجة، وقد جاء في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأمهات المؤمنين: (قد رخص الله لكن بالخروج لحاجتكن) ، فإذا كن هؤلاء في أمهات المؤمنين فإنه لغيرهن كذلك، أن تخرج المرأة لجارتها، أو تخرج المرأة لعمل فيعترضها رجل في طريق أو نحو ذلك، فهذا ما لم يكن فيه مماسة في الأبدان فإن الأصل فيه الجواز ما قيد بذلك بالحاجة ما لم يكن وفي ذلك سرف، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، وإذا خرجن فإنهن يخرجن في الطريق مع الرجال، وهذا يقيده العلماء بجملة من التقييدات، وذلك بالستر التام وسعة الطريق، وبعض العلماء يقيده بالمرأة الكبيرة الشابة كما جاء ذلك عن أبي حنيفة وغيره، وعلى كلٍ هو يدخل في دائرة الترخص في ذلك، ويدخل في هذا الحكم ما يكون في بيت الله الحرام، وذلك من الطواف والسعي، فهو شبيه بالطرقات باعتبار أنه لا قرار فيه، وإنما هو عبور لقضاء الحاجات وأما ما يتعلق بالمجالس والعمل والتعليم وغير ذلك، فإن هذا محرم باتفاق العلماء، وفي سائر الشرائع، ويدل على تحريمه أن الوفاء بالنذر واجب، خاصة إذا كان نذر طاعة، وهنا امرأة عمران نذرت في ولدها الذي في بطنها إذا كان ذكرًا أن تجعله في الكنيسة، فلما كان أنثى اضطرت إلى نقض نذرها والأصل فيه الوجوب، ولا ينقض الواجب إلا بمحرم، فدل ذلك على تحريم اختلاط الجنسين في مواضع القرار.