القرعة لا تكون إلا عند تساوي الحقوق وعدم وجود البينة في ذلك، وأما إذا وجدت البينة وظهرت الحجة فلا يصار إلى القرعة، بل المصير إليها محرم، لأنها أكل لأموال الناس بالباطل، وانتزاع للحق بشيء لا يجوز في موضعه، وإنما هي عند اشتباه الحقوق، وقد ترجم على هذا البخاري رحمه الله أن القرعة تكون عند المشكلات، يعني: الأمور المشتبهة والمشكلة وعدم جلاء حق بعينه، وعامة العلماء وهو قول عامة السلف إلى أن العمل بالقرعة جائز وقد يجب وقد يتأكد إذا كانت الخصومة لا تدفع إلا بها؛ لأن ما لا يدفع المحرم إلا به فهو واجب ما لم يكن محرمًا في ذاته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ما لم يكن محرمًا في ذاته أغلظ من تفويت ذلك الواجب، ولهذا نقول: إذا وقعت خصومة بين اثنين لا ترفع إلا بالاقتراع فإنه يصار إليه وجوبًا، فهي تأخذ الأحكام التكليفية الخمسة في مسألة الإباحة والاستحباب، والوجوب، والكراهة والتحريم، والتحريم عند اتضاح الحقوق فإنه لا يصار إلى الاقتراع؛ لأن الحق ينتزع بها، ويعطى لغير صاحبه، وهي ليست بينة وإنما لدفع النزاع. ذهب أبو حنيفة إلى عدم الأخذ بالاقتراع، وله قولان في هذا الأمر، والمشهور عنه كراهة الاقتراع وعدم الأخذ به، ويرى أن الحكم في ذلك منسوخ، وذهب إلى هذا أصحابه، وله قول آخر قد نقله عنه ابن المنذر أنه قال: إن الاقتراع ينافي القياس، ولكن تركنا القياس أخذًا بالسنة والأثر، وقوله مع الجماعة أولى من قوله إذا كان منفردًا، ولكن أصحابه على الأخذ بعدم الاقتراع وهو قوله الأول.