وهل يؤخذ من ذلك أنه يجوز للإنسان أن يحرم على نفسه من الطعام ما شاء؟ نقول: إن هذا في شرعة إسرائيل جائز, وفي شرعتنا محرم, والله سبحانه وتعالى عاتب نبيه عليه الصلاة والسلام: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1] , وهذا من الله سبحانه وتعالى عتاب لنبيه عليه الصلاة والسلام وهو لمن دونه من باب أولى: لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:87] , خطاب للذين آمنوا ألا يحرموا شيئًا أحله الله عز وجل لهم. وعلى هذا نقول: إن هذا دليل على أن التحريم الذي كان من إسرائيل على نفسه خاص به, لا يتعدى ذلك إلى أمته, فضلًا أن يتعدى ذلك إلى من جاء بعدهم. ولهذا عاتب الله عز وجل بني إسرائيل في أخذهم بما حرم إسرائيل على نفسه, فكيف يكون ذلك إلى أمة الإسلام؟ ولهذا نقول: إنه لا يجوز للإنسان أن يحرم على نفسه شيئًا أحله الله, وإذا كان الامتناع من ذلك من غير تحريم, ومعلوم أن الامتناع على حالين: حال يقترن بها التحريم، فيقسم الإنسان أن كذا حرام عليه, فيقول: والله لا أتناول ذلك شيئًا من ذلك الطعام أو من ذلك الشراب أو نحو ذلك, هذا لا يجوز بحال. أما الامتناع من غير تحريم، أن يمتنع الإنسان عن شيء بعينه من غير تحريم, وإنما هي إرادة, فامتناع الإرادة جائز, كأن يمتنع الإنسان عن شيء لا يفسد دنياه, عن أكل لحم حتى يحفظ صحته أو يمتنع عن طعام ربما يصيبه بمرض أو بكسل أو يقلل من نشاطه أو ربما يؤذيه في سمنة أو في ضعف في دم أو غير ذلك, فهذا مما لا بأس به, لأنه امتناع إرادة لا تحريم نعمة, ولهذا نقول: بأن هذا الفعل جائز وهو خارج عما أحله الله سبحانه وتعالى لعباده؛ لأن الامتناع في ذلك إنما كان لمصلحة.