ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخبر، قال: (ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) , يعني: أن الله عز وجل يزيد العبد بعفوه إذا عفا وهو قادر على الانتقام والانتصار لنفسه يجعله الله عز وجل عزيزًا؛ ولهذا ذكر الكاظمين الغيظ، يعني: لا ينتصرون لأنفسهم. قيل: إن المراد بذلك أن يكظم الإنسان غيظه عمن أخطأ عليه ممن كان قريبًا منه, قيل ذلك في الخدم، وقيل في الأزواج، وقيل في الأولاد وغير ذلك. وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العفو عن الخادم: (قيل له: كم أعفو عن الخادم في اليوم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: سبعين مرة) .وهذا إشارة إلى أهمية العفو, وهذا إذا كان في خادم, فكيف في زوجة؟ وكيف في ولد من ابن وبنت ممن كان قريبًا من الإنسان, فإن الأجر فيه أعظم؛ لأن الخطأ منه أكثر, وذلك لكثرة المخالطة والمعاشرة, فيلحظ منه من الأخطاء ما لا يلحظه من الأبعد, وكلما كان الإنسان أكثر عفوًا عمن كان قريبًا منه، فإن الأجر في ذلك عند الله عز وجل أعظم, وذلك أن عفو الإنسان عن الخطأ مرة يختلف عن عفوه عن الخطأ مرتين وثلاث؛ لأن المرتين والثلاث والأربع إذا جاءت بعد الأولى فيها إشارة إلى عدم اهتمامه بالمخطأ في حقه, فربما حمله ذلك إلى الانتصار في نفسه ولعدم الاعتداد برأيه أو قوله أو نحو ذلك, والعفو في ذلك أقرب وأعظم أجرًا عند الله سبحانه وتعالى.