أما النفوس الدنيئة والضعيفة التي لا توجل فإنها لا تخاطب بذلك, لأنها لا تحترز في الأمر أو في المال الحلال، وفي هذا دليل على أن العقد لا يصح إلا بمهر مسمى أو غير مسمى، والدليل على ذلك: أن الله عز وجل يقول في هذه الآية: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ [النساء:3] ، ما قال: كله، يعني: أن المرأة لو أسقطت مهرها كله ما صح ذلك منها هي وهي تملكه، لأنه في هذا إسقاط لحق الله في العقود وفي حق النكاح. يعني: أن المرأة إذا كانت عند العقد فوضع لها مهر مقداره ألفًا أو مائة، فقالت بعدما دُونِّ: أسقطت المائة والألف، ما اعتبر ذلك، لأنها تسقط المهر كله, وإسقاطه كله تعدٍ على حق الله وليس حقًا لها، وإنما لها أن تسقط شيئًا منه، فتقول: وضعت الربع أو الثلث أو الشطر أو الثلثين أو غير ذلك، ولهذا قال الله عز وجل: عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا [النساء:3] ، وما قال: إسقاطه له كله، يعني: أن إسقاط المهر كله لا تملكه حتى المرأة؛ لأنه حق لله سبحانه وتعالى في العقود، وهذا يؤيد ما تقدمت الإشارة إليه إلى أن المهر إنما هو فرض في العقود، وأنه لا يصح عقد إلا بمهر سواء سمي أو لم يسم، فإذا قيل: إنه يجب عليك أن تدفع لها مهرًا ولم يسم فهذا كاف، ولها في ذلك مهر المثل. وتقدم معنا الإشارة في سورة البقرة في المرأة المدخول بها وغير المدخول بها مما يغني الكلام عليه هنا. وفي هذا أنه ينبغي للإنسان أو صاحب النفس الزكية أن يتفقد طيب النفس, وأن يمحصها في أمور الحقوق، وأن يستفصل هل كان ذلك بطيب نفس أو من غير طيب نفس؟ ويأخذ بذلك بالقرائن حتى لا يأكل في ذلك مالًا حرامًا فيأثم بذلك. وفي هذا إشارة إلى أنه ليس للأولياء من المهر شيء، فإذا دفع عند العقد فإن ذلك للمرأة لا لوليها, ولا يجوز له أن يضع من ذلك شيئًا, ولا أن يأكل منه إلا بطيب نفس من صاحبة الصداق.