وعلى هذا نقول: إن الاستدلال بهذا الحديث على عدم الوصية بالزيادة على الثلث عند الورثة الأغنياء لا يقال بأنه يناقض الاستدلال فيما تقدم عند الشخص الذي لا ورثة له أن يوصي بالزيادة على الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد الأمر بالثلث لوجود الورثة, ولم يربط ذلك بغنى أو فقر، بل قيد أيضًا في ظاهر السياق الأمر بالغنى والحث عليه من غير بيان مقداره. ولهذا نقول: إن الترجيح والقول بأن من له ورثة أغنياء لا يجوز له أن يوصي بالزيادة على الثلث مع كونهم أغنياء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد الأمر بوجود الورثة، قال: (إنك إن تذر ذريتك أغنياء خيرًا من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس) .ومن العلل التي تدل على المنع ولو كانت الذرية أغنياء: أن الغنى ربما يكون عارضًا؛ فتغتني الذرية عند وفاة أبيهم, فربما يفتقرون بعد ذلك ولا يجدون مالًا إلا مال أبيهم، وحينئذ يقال بأن التعليل بالكفاية ومقارنتها بعدم وجود الذرية تعليل ضعيف، والفرق في ذلك ظاهر، أن عدم الذرية في هذا هو متعلق بقسمة التركة أصلًا وفضلًا عن جانب الوصية، والتركة في ذلك آكد من الوصية في الشريعة، ولهذا كثرت النصوص في بيان المواريث وأنصبة أهل الفروض وأحكامهم، وما يتعلق بالوصية فإنها دون تركة الورثة. وكذلك فإن المواريث تضيق جانب الوصية، والوصية لا تضيق جانب الورثة، فالورثة يقضون على الوصية ويضيقونها, فإذا أوصى الموصي بشطر ماله أو بالثلثين أبطلت وصيته لحق الورثة، فحينئذ لا تجوز الورثة على من قال بجوازها عند إسقاط الورثة بمالهم بعد موت مورثهم, فيكون ذلك من طيب نفس منه. وعلى هذا نقول: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تكون الوصية في الثلث, وهذا مقيد على ما تقدم الإشارة عليه، وكذلك في قصة سعد بن أبي وقاص فإنه لم يدع إلا بنتًا واحدة, ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلث في ذلك كثيرًا؛ لأن الشريعة تتشوف إلى إغناء الورثة وسد حاجتهم.