وهذا تسلسل في بيان أمر الأموال، ابتداءً من العلاقة الزوجية مما يتعلق بأمر المهر، ثم ما يتعلق بالنفقة التي تكون من الزوج على ذريته، وعلى زوجه، ثم ما ذكر الله سبحانه وتعالى من إعطاء من حضر قسمة التركة، ثم أمر الوصية وتحذير من شهدها أن يعدل في شهادته، وكذلك في تلقينه، ثم ما يكون بعد ذلك من أمر المواريث. قدم الله سبحانه وتعالى أول ما قدم من أمور الورثة ما يتعلق بالأولاد، ثم ذكر الله عز وجل أمر الوالدين، وذكر أمر الإخوة، وذكر أمر الأزواج؛ مما يدل على أن أعظم الوارثين هم الذرية من الأبناء والبنات. ومقام حقهم في ذلك يؤخذ من جملة من القرائن, أول هذه القرائن: أن الله جل وعلا صدر حقهم في المواريث، فكانت أول وصية في القرآن في أمر الميراث أنها تكون للأولاد من البنين والبنات. والقرينة الثانية: أن ظهور الضعف في الذرية أظهر من الضعف في الوالدين وكذلك في الإخوة، لأن الأمر يتعلق بالأموال. وأما بالنسبة في حال الحياة لأنه يتعلق بالبر، كان حق الوالدين أعظم من حق الأبناء والبنات؛ لأنه يتعلق بالبر, والبر حينئذ قد انقطع بموت الابن, فما بقي إلا ماله، فلما كان ماله هنا يتعلق بالقوة والضعف والكفاية كان الفقر والحاجة في الذرية أظهر من كونه في الوالدين. فأوصى الله سبحانه وتعالى في الأولاد وقدمهم على غيرهم, مع أن بر الوالدين أعظم من البر والإحسان إلى الأولاد من البنين والبنات، ولكن هذا في حال حياة الرجل، ولكن بعد وفاته فالأمر لا يتعلق به, وإنما يتعلق بالأموال. هذه الآية من الآيات العظيمة, وتتضمن حكمة جليلة في أمر الوصية وإحكام الشريعة في تفصيل أمور الميراث، والأمر المالي وما يسمى بالاقتصادي الذي يتعلق بأمر الرجل وكيانه وولاياته، سواء كان من أمور الأيتام، أو كان ذلك من أمور القرابات، أو كان ذلك في أمر الوصية، نظام كامل لا يدرك الإنسان حقيقة الإسلام وتمام عدله وإحكامه إلا وقد نظر إلى المنظومة كاملة.