فالمرأة من ولادتها إلى مماتها مكفية من جانب النفقة، ولهذا نقص حظها وحقها من تركتها من أبيها، فكان حينئذ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] ، ولكن الأنثى ليست على عمومها من جهة التفاضل، ولكن تتفاضل في جانب البنوة وجانب الأخوة مع الذكور من جنسها، ولكن في جانب آخر وهو جانب الوالدين: فلهما في ذلك السدس، فهذا الاختلاف بين الذرية وبين الأبوين؛ لأن الذرية في ذلك تستقبل حياة، وأما ما يتعلق بالآباء فإنهم في الغالب أنهم يكونون في حال ضعف، وحاجتهم في ذلك متقاربة إلى السداد, فكان ذلك غاية في أمر الإحكام. ولهذا الذين يتكلمون في مسائل العدل في الميراث وعدم التساوي في ذلك، فهم ينظرون إلى هذا الحكم مجتزئًا عن غيره، خاصة ممن يتأثرون بالمدرسة الغربية في جانب النفقة, فيرون أن المرأة لا ينفق عليها زوجها ويجب عليها أن تعمل، ولهذا في الغرب المرأة تتكسب لنفسها، فلا يكون في ذلك مهر، فإذا تزوجت تقوم بشأنها، ويقوم الرجل بشأنه، تقوم بطعامها، ويقوم الرجل بطعامه، وربما يدخل الزوج والزوجة مطعمًا ويشترون بدولار تسدد المرأة دولارها ويسدد الرجل دولاره. ويريدون أن يفهموا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] .أنت لا تدرك هذا المعنى حتى تعرف ما قبلها مما ساقه الله عز وجل لك، فإذا امتثلت ذلك الأمر وعرفت ذلك الإحكام وأتيت إلى هذه الآية؛ عرفت أن هذا إنما هو جبر لما فات الذكورية وحظيت به الأنوثة قبل ذلك. وكذلك جبر للذكورة فيما تستقبله من إنفاق على أنوثة أخرى مما يتعلق من زوجة، ودوام الإنفاق على بنته، فكان ذلك كمال العدل والإنصاف والإحكام في أمر الأموال. ولهذا نقول: إن المنظومة الاقتصادية في الإسلام من لم ينظر إليها تامة؛ فإنه لا يعرف تمام العدل والإحكام الذي جاء في الشريعة، وإذا نظر إلى باب واحد متجردًا عن غيره فإنه ينظر إليه بشيء من أنواع القصور.