وذهب بعض الأئمة من السلف وهو مروي عن الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وعن طاوس على أنه يجوز أن يوصى للوارث, وهذا قول مخالف للدليل، لأن الوصية للوارث فيها جملة من المحظورات، ومن هذه المحظورات: أنه باب يفتح للحيف في أمر الورثة, لأن الإنسان إذا أراد أن يعطي أحدًا أكثر من غيره, كأخ أكثر من أخيه، أو زوجة أكثر من أخرى أوصى لها بمال كذا أو بربع ماله أو بثلث ماله أو نحو ذلك، فظلم في عطيته، وهذا لا يجوز في حال الحياة، فكيف يجوز في حال الممات أن يعطي الإنسان زوجة لم يعط الأخرى، أو يعطي ابنًا هدية أو عطية أو هبة لم يعط الأخرى؟ فإذا كان ذلك في حال حياته وقدرته فإن ذلك بعد مماته من باب أولى. وأيضًا ظهور ووجوه الحيف في أمر الوصية للوارث: أن الوصية للوارث تبطل المقصود من الفرائض, وذلك أن الله عز وجل حينما جعل الفرائض وقدرها للزوج وزوجه، وكذلك للأولاد من بنين وبنات، وللأبوين، وللإخوة، جعلها الله عز وجل عدلًا، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول لما ذكر ميراث الأولاد، والإخوة، والوالدين، قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11] .يعني: يعلم ما يصلح أحوالكم وما يفسدها، فأحكم الله عز وجل الأمور فوضعها في نصابها، فإذا كان يجوز للإنسان أن يتدخل فيما فرضه الله عز وجل والله سماه فريضة: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] ، ثم قال الله في خاتمتها: فَرِيضَة مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11] ، (فريضة من الله) يعني: يحرم على الإنسان أن يتجاوزها. فإذا قلنا بأنه يجوز للإنسان أن يوصي لوارث فيجعل لابنه فلان نصف المال، ولفلان ربع المال أو نحو ذلك، فإن هذا يعطل الفرائض التي قدرها الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر محرم.