فالله سبحانه وتعالى قد أخذ الميثاق على بني إسرائيل وهو يعلم حالهم جل وعلا, وكذلك يعلم ما نقضوه من العهود لأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام, فالله عز وجل قد جعل عيسى وهو السابق لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم, فإنه جاء بعد موسى, فكان موسى يأخذ العهد على من كان بعده بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم, ثم نقضوا نبوة موسى ونقضوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي عيسى ولم يؤمنوا بشيء من ذلك، فلما جاء عيسى فبشرهم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم, وأخذ الله عز وجل عليهم عهدًا بعد نقضهم ذلك، ولهذا نقول: إذا أراد المسلمون أن يأخذوا عهدًا وميثاقًا على جماعة عرفت بنقض العهود أنه لا حرج عليهم في ذلك. كذلك لا حرج على الإنسان أن يتعاقد مع غيره ممن عرف بالتدليس والخداع والخيانة ونحو ذلك أن يبتاع منه شيئًا, ولكن في هذا يجب عليه أن يحتاط, وأن يشدد في الشروط كما شدد الله عز وجل على بني إسرائيل حتى يحمي أمره فلا يفرط في هذا وهذا, إذا كان هناك مصلحة له, ولهذا الله عز وجل أخذ الميثاق على بني إسرائيل وشدد عليهم ذلك لأمور متعددة، ومن هذه الأمور التي تدل على أن العهد والعقد إذا كان مع أمة طاغية معروفة بالخداع والتدليس وكتمان الحق جائز إذا كان لصالح المسلمين وصالح العامة، كما أخذه الله على بني إسرائيل، دليل ذلك: أن أهل الكتاب -وهذا من أسباب أخذ العهد على بني إسرائيل- وخاصة اليهود مع كونهم من الظلمة ومن المعروفين بنقض العهد قبل ذلك.