فهذه الآية نزلت في حفظ مال المرأة من جهتين: من جهة الميراث، ومن جهة ما كان موهوبًا في حال الحياة، وذلك أن الميراث يكون بعد موتها، فكل تسبب واستعجال لموت المرأة مما كان عليه الجاهلية فهو أمر محرم، وأن الإضرار بها في حال حياتها لأخذ شيء من مالها أن ذلك محرم أيضًا. والعلماء عليهم رحمة الله تعالى عليهم لا يختلفون في هذا, والنفوس والفطر السليمة تتوجه إلى هذا, ولكن الله جل وعلا أراد أن يبين حرمة ذلك وبطلان ما كان عليه أهل الجاهلية؛ دفعًا لتوطن النفوس على فعل والقرآن ينزل، فإذا كان القرآن ينزل على فعل من الأفعال ولم يحرم فإن هذا أمارة تقرير، فرفعت الشريعة من الكتاب والسنة ما كان من أفعال محرمة, وأبقت ما كان من الأمور المباحة. وهذا دليل على أن ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مسكوتًا عليه من الأقوال والأفعال والعادات أن الأصل فيه الإباحة، ولهذا كان يقول غير واحد من الصحابة عليهم رضوان الله: كنا نفعل كذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن ينزل, يعني: أنه ينزل حوالينا من جهة الأفعال ولا ينزل على ذلك الفعل، وهذا دليل على الإباحة. فرفعت الشريعة ما كان من أمور محرمة، وأبقت ما تتطبع عليه الناس من أمور حلال. ولهذا نقول: إن ما تدل عليه بعض الفطر من نفور ونحو ذلك فإن هذا لا يدل على جوازه، وهذا يُشار إلى معنى قد تقدم الكلام عليه مرارًا: أن الشريعة من جهة النصوص نزلت بالأعيان على ما توطنت عليه النفوس من باطل في زمن النبوة، وأن ما تتوطن عليه النفوس من الباطل مما لم يرد دليل في الشريعة على تحريمه بعينه أنه لا يستدل على جوازه بعدم ورود النص عليه؛ لأن الشريعة إنما نزلت على أحوال كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, فلما انقطع الوحي كان الاستدلال بالأصول العامة كافيًا في رفع الأفعال المحرمة بأعيانها، أو كذلك الأقوال.