والقاعدة عندنا أنه إذا تعارض معنى الشرع ومعنى اللغة, فإنه يقدم معنى الشرع على معنى اللغة، وإن كان في اللغة أن المراد بذلك النكاح هو الضم والجمع فيدخل فيه بعقد أو بغير عقد، ولكن في استعمال الكتاب والسنة فإن النكاح لا يطلق إلا على ما كان بعقد، وهذا يؤخذ من جملة من القرائن: القرينة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى ذكر النكاح في كتابه في مواضع عديدة وأراد به العقد. القرينة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى قال بعد ذلك حينما ذكر المحرمات قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23] ، فالتحريم هنا ليس للزنا وإنما هو تحريم للعقد عليهن، لأن هذا ليس موضع بيان فواحش، وإنما هو موضع بيان عقود. فكل ما ذكره الله سبحانه وتعالى في سياق هذه الآيات ذكره الله جل وعلا في بيان العقد عليهن، وإلا فالأصل أنهم يعظمون الأمهات ويعظمون البنات، ويعظمون الأخوات ويعظمون الخالات، ويعظمون كذلك العمات، وغير ذلك مما حرمه الله سبحانه وتعالى سوى ما استثناء عبد الله بن عباس مما حكاه عن أهل الجاهلية كما تقدم. والقرينة الثالثة في هذا: أن الله سبحانه وتعالى قال في المحرمات من النساء: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] ، ولا تكون حليلة الابن يجوز أن يطأها إلا بعقد، يعني: أنها أحلت له، فإذا لم يكن ثمة عقد لم تسم حليلة, بدليل على أن الذي أحلها للابن هو العقد بها, فالمراد من ذلك هو النكاح الذي يكون بعقد. ثم إن تحريم زوجات الأبناء مقابل لتحريم زوجات الآباء، فإن الله حرم على الأبناء زوجات الآباء، كما حرم على الآباء زوجات الأبناء، فذكر في الأبناء في قوله: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] ، كذلك حرم الله جل وعلا أيضًا زوجات الآباء فقال: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:23] .