وقد يقول قائل: لماذا تتكلم في المفضول وتدع الأمر الفاضل؟ الفاضل محافظ عليه، وأما المفضول فُرط فيه فيشدد الأمر فيه، وعلى هذا كان إحكام الشريعة، لهذا يجب على المصلح عند إصلاحه أن ينظر إلى موضعين: الموضع الأول: إلى بعد الناس وقربهم من الحق، وكذلك بعدهم وقربهم من الباطل، فيقرب البعيد، ويأتي بألفاظ تقربه، ويثبت القريب من الحق، ولا يزيده من النص حتى لا يغلو فيه، فيوازن بين الأمرين. الأمر الثاني: أن ينظر إلى تفاضل الأحوال والأحكام والحدود بالنسبة للشريعة، فلا يقيم الأحوال والأحكام والأخطاء على أهواء الناس، والشريعة جاءت بأمور متفاضلة، فهذه أفضل من تلك، وهذه أعظم من تلك، والخلل في هذين الموضعين، وتقصير المصلحين بالنظر فيهما هو سبب الخلل في نتائج الإصلاح؛ ولهذا بعض المصلحين يحاول أن يخاطب الناس بما يرغبون، وما يرغبونه حق، فلا يتكلم ولا يصلح إلا ما يحبون أن يصلح أمرهم عليه، وأما ما يقعون فيه من أخطاء ومخالفة أمر الله عز وجل فإنه لا ينكره عليهم لأنه يخالف شهواتهم، فهو ترك حقًا خشية الناس، وتكلم بحق لأن الناس يحبونه، وهذا قد جاء بإصلاح فيما يحبه الناس، لا فيما يحبه الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا الله جل وعلا في حكمته في ...