والعموم يظهر في قول الله جل وعلا: كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا [البقرة:168] , (من) هنا في هذه الآية للتبعيض, وليس المراد بذلك من بعض ما في الأرض, وإنما المعنى أن الإنسان لا يأكل كل ما في الأرض وإنما يأكل البعض, فالتبعيض هنا لمأكول الإنسان وحده لا لأصل المأكول, والعموم يظهر بالنص, وكذلك بجملة من القرائن المؤكدة للعموم, وذلك أن الله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا [البقرة:168] , فقوله: (( مِمَّا فِي الأَرْضِ ) ), يعني: من الذي فيها مما يأكله الإنسان, وهذا من ألفاظ العموم, ثم أكد الله سبحانه وتعالى إطلاق الحلية لما في الأرض من مأكول بقوله: (( حَلالًا طَيِّبًا ) ), ومعلوم أن الأمر بالأكل يكفي في دلالة الحلية في قوله: (( كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ ) ), فإن الله لا يأمر بأكل المحرم, وإنما أكد ذلك بقوله: (( حَلالًا ) ), ولو أمر الله عز وجل بشيء لما احتيج إلى التماس لفظ الإباحة فيه, وذلك أن الله لا يأمر بمكروه فضلًا عن أن يأمر الله عز وجل بمحرم, وهذا كاف في الإباحة إلا أن الله أكده بقوله: (( حَلالًا طَيِّبًا ) ), والحلال: ما أحله الله عز وجل, وقوله: (( طَيِّبًا ) ), تأكيد لقوله: (( حَلالًا ) ), يعني: أن الله عز وجل لا يحل شيئًا إلا وهو طيب, وهذا غاية الامتنان, فالآية مشتملة على جملة من نصوص العموم في أن الأصل في الأشياء الحل, منها: الأمر بالأكل من غير استثناء, ومنها: إطلاق لفظ الحلية, وكذلك: بيان المنة من الله سبحانه وتعالى, والمنة تظهر في الطيب, وذلك أن الإنسان إذا أُذن له بشيء فالمأذون به إما أن يكون طيبًا, وإما أن يكون طيبًا ممتزجًا مع غيره, أي: ليس بخالص الطيب في ذلك, فالمنة تظهر في الطيب أكثر من غيره, ولهذا يقول العلماء: إن صيغ العموم التي يؤخذ منها الأصل في الأشياء الحل, يؤخذ أولًا من الإذن أن الله عز وجل أذن بهذا الشيء,