وجاء ذلك أيضًا عن مجاهد بن جبر و قتادة وغيرهم من المفسرين, قال: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة:173] , وهذا دليل على أن المقصود بذلك الإهلال, بخلاف سبب الذبح, فسبب الذبح لا يعني من ذلك إهلالًا لغير الله؛ وذلك كذبح الإنسان للضيف, أو ذبح الإنسان لسبب شرعي شرع الله عز وجل لأجله الذبح كالهدي والأضحية والعقيقة وغير ذلك, فما أهل به لغير الله يعني: نوى الإنسان وجهر بنيته أن يكون ذلك لغير الله لصنم أو وثن. وبعض العلماء يجعل من وجوه التفريق في هذا بين ما يذبحه الإنسان لسبب وما يذبحه الإنسان للصنم, قالوا: إذا اقترن بذلك التعظيم, فيفرق بين ما كان لتكريم وما كان لتعظيم, فما كان لتعظيم يحرم, وما كان لتكريم فهو جائز, وما كان لتعظيم لا يقصد منه الأكل, فربما ذبح وأبقي على ما هو عليه, ولهذا الذين يذبحون للملوك ونحو ذلك وينحرونها ويدعونها هذا شبيه بعمل الجاهليين, أما الذي يذبح ويُطعم ويَطعم ويظهر من ذلك أن الإنسان ذبح وطبخ, ولو لم يؤكل ذلك الطبيخ فهذا يدل على أن الإنسان ذبح؛ ليكرم، وعلامة الإكرام الأكل, أما الذي يذبح ويبقيها على ما هي عليه أو لا يُطعمها ولا يقدمها لمن ذبحها له فهذا ذبح تعظيم لا ذبح تكريم. ولهذا نقول: إن ذبح التعظيم محرم، وذبح التكريم جائز, ولو كثر ذبح التكريم, فيدخل هذا في دائرة الإسراف ولا يدخل في دائرة الإهلال لغير الله, وذلك أن الله عز وجل ما حرم ما أهل به لغير الله إلا لأجل تعظيم غيره, فالوثنية إنما حرمها الله وعبادتها من دون الله؛ لكونها تشارك الله عز وجل في التعظيم, أما بالنسبة للإكرام فالله عز وجل أمر به, فأمر بإقراء الضيف وإكرامه, والإحسان إلى الجار, وبر الوالدين, وإطعام الطعام للفقراء والمساكين وغيرهم.