ولما تغيرت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام وقع ذلك في نفوس أهل الكتاب, وخاصة اليهود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قبلته عن قبلتهم، فكأنهم رأوا أنه كان على شيء من البر والخير فتركه إلى غيره, فيرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد جمع برًا وغيره، ولكن لما تغيرت القبلة رأوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تخلى عن شيء من البر الذي كان فيه، وهذا بحسب ما يرون وما استقر في أذهانهم من ضلال، فكان النبي صلى الله عليه وسلم استجابة لربه وكذلك للقبلة التي يرضاها فتوجه إلى المسجد الحرام، فبين الله سبحانه وتعالى لأهل الإيمان لما بلغهم كلام أهل الكتاب, وكذلك لأهل الكتاب لما قالوا ذلك لأهل الإيمان، بين الله عز وجل لهم ذلك أنه: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة:177] ، وهذا المعنى في هذه الآية المراد بذلك: أن الله عز وجل يوجه عبده حيثما شاء جل وعلا, سواء كان إلى جهة المشرق أو كان ذلك إلى جهة المغرب أو غيرها من الجهات، وأن التوجه إلى أمثال هذه الجهات في ذاته ليس برًا, وإنما هو امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى؛ ليختبر الله عز وجل إيمان أهل الإيمان، وهذا ظاهر في مسألة ما أمر الله عز وجل به من الدماء، في قوله جل وعلا: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37] ، أي: أن هذه الدماء التي تذبحونها لن يصل إلى الله عز وجل تلك الدماء أو اللحوم، ولكن الذي أراد الله سبحانه وتعالى من ذلك التشريع هو التقوى، فيبتلي الله عز وجل أهل الإيمان من غيرهم، وهذا هو الحكمة من التشريع، فبين الله سبحانه وتعالى أن اليهود إنما ضلوا بهذا الأمر بسبب اختلال ميزان تراتيب الإسلام في أذهانهم، وذلك أن الله عز وجل قد أمرهم بالإيمان بالرسل وبالكتب وبالملائكة، وأمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فتركوا ذلك