وعلى هذا نقول: إن الإنسان إذا سئل مالًا أو جاءه فقير وقال: أنا من الفقراء, فيعطيه المال ولو لم يكن فقيرًا, لكن إذا علم منه الكذب بعينه نقول: إذًا يعلم أنه ليس بصادق بقوله هذا، ونقول حينئذ: لا يجزئ عنه ذلك، والدليل على هذا جملة منها ما يتعلق بالنص ومنها بالتعليل، ما يتعلق بالنص ما جاء في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجل: لئن أصبحت لأتصدقن بدينار, قال: فلما أصبح وجدها بيد زانية, فقال: الحمد لله على زانية، ثم قال: والله لأتصدقن فتصدق, فلما أصبح وجدها بيد غني, فقال: الحمد لله على غني، ثم الثالثة تصدق, فلما أصبح وجدها بيد سارق, فقال: الحمد لله على سارق، فقيل له: إن السارق لعله أن يستعف عن سرقته بالمال، وأما الزانية فلعلها أن تكف عن زناها بهذا المال، وأما الغني فلعله أن يتذكر حاجة الفقير فيعطيه) ، وهذا فيه إشارة إلى أن النفقة مضت، وحد الإنسان في الإنفاق أن يخرج المال من يده, فإذا خرج من كفه إلى غيره انتهى أمره. وأما التعليل فإن الإنسان إذا قلنا: إنه لو جاءه سائل وأنفق وأعطاه من الزكاة ثم بان له بعد ذلك أنه ليس من أهل الزكاة وقلنا: إنه يجب عليه بعد ذلك أن ينفق أو يخرج زكاة أخرى، أنه يلزم من هذا أن الفقير إذا أنفقت عليه لفقره ثم وضعها في غير فقره, لأن الحكمة من إنفاق الزكاة هي سد الحاجة، فاشترك الغني الكاذب مع الفقير الصحيح في عدم الانتفاع، وعلى هذا أنه يجب على الإنسان أن يتحرى تصرف الفقير فيها بعد ذلك, وهذا لا يأتي به الإسلام, بل إن الإنسان إذا غلب على ظنه أن الفقير يضعها في غير حاجته فإنه يسقط عنه ذلك؛ كحال يعلم أن الفقير لا يجد قوت يومه، ثم أعطاه مالًا فجعلها في شيء ليس من قوت يومه كأن يشتري نخلًا ويغرسه، أو يشتري مركبًا وهو بحاجة إلى طعام ونحو ذلك، فليس للإنسان شأن في ذلك إذا تحقق في هذا الوصف.