وأما ما يتعلق بما يمكن القصاص معه وذلك كالإنسان الذي يقتل شخصًا إما برصاص أو بسيف ونحو ذلك، فحقه إزهاق النفس، وأما من قتل شخصًا على سبيل التدرج، يعني: أنه قطع يده ثم بقي الجرح ينزف حتى مات بعد أيام، فهل يفعل بالقاتل والجاني مثل ذلك أم لا؟ هذا محل خلاف عند العلماء، منهم من قال: إنه يمكن الاستيفاء معه, ولكن مثل هذا يصعب أيضًا الحكم عليه بالاستيفاء باعتبار أن الإنسان لو قطع يد غيره وقطعت يده ربما لا يموت بعد ذلك ويبرأ، فيكون موته حينئذ ظنيًا، فهل يقتل بعد ذلك برصاص أو بسيف أم لا؟ هذا موضع خلاف عند العلماء، والذي عليه عامة العلماء, بل ينبغي أن يكون عليه إجماع السلف أن القصاص في ذلك لا بد منه وهو إزهاق نفسه. وأما الاحتمال الذي يطرأ على ذلك أن الإنسان يحتمل أن يكون تسبب بإزهاق نفسه، يعني: أنه لم يضمد جرحه، أو لم يذهب إلى طبيب؛ كالذي قطعت يده أو أصبعه وتركها تنزف حتى مات، فاحتمال تسببه في ذلك ضعيف وضئيل. وفي قول الله سبحانه وتعالى: الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178] ، هنا ذكر القصاص في القتل، يعني: في النفس, وأما ما دون ذلك فذكره في قوله: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45] يعني: ينبغي أن تكون الجراحات كذلك أيضًا, فإذا قطع الإنسان يد غيره فتقطع يده، وكذلك أيضًا الأصبع والأذن والعين والسن وأمثالها من أعضاء الإنسان, وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء، وفي هذا إشارة إلى شيء من التدرج, وذلك أن الله سبحانه وتعالى أوجب أول ما أوجب ما يتعلق بالذنب الأعظم في مسألة الجراحات وما يتعلق بالأنفس، فأوجب الله جل وعلا الحد في قتل النفس، ثم فصله الله سبحانه وتعالى بعد ذلك بجملة من الآي ببيان القصاص في ما دون ذلك فيما يتعلق بالجراحات.