والأمر في هذه الآية بقوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191] ، الأمر هنا بالقتل، كأن الله عز وجل وجه أهل الإيمان أن يتوجهوا إلى مكة, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عازمًا على قضاء عمرته التي منعوه منها عام الحديبية، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة القضاء بعد ذلك، فكأن المسلمين قد بلغهم أن المشركين قد أعدوا العدة لقتال المؤمنين وسينقضون عهدهم الذي أعطوه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبوه في الحديبية، فلما كان كذلك أعد النبي صلى الله عليه وسلم لهم العدة فكان في هذه الآية رفعًا للحرج الذي قد يوجد في نفوس المسلمين في عدم نزول شيء من آي القرآن في الجهاد، فأنزل الله عز وجل هذه الآية والتي قبلها في قول الله عز وجل: قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة:190] ، فالآية السابقة أمر بالمقاتلة، أي: قتل من استعد لقتال المؤمنين، وهنا قتل لمن لم يقاتل: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191] ، وظاهر العطف هنا في قول الله عز وجل: وَاقْتُلُوهُمْ [البقرة:191] ، أن الواو هنا عاطفة للمعنى السابق، والعطف بين حكمين يكون في الغالب أن الآيات تنزل في زمن متقارب إن لم تنزل في موضع واحد، وذلك أن الله سبحانه وتعالى ينزل الأحكام ويعطف بعضها على بعض، فإذا عطف بعضًا على بعض دل على أن الزمن بين الآيتين قليل أو معدوم، وذلك أنه إذا كان ثمة أحكام ونوازل وحوادث حدثت بين الآيتين؛ فإن عطف الآية على الأخرى يقل في كلام الله عز وجل فيكون ذلك حكمًا استئنافيًا، ولهذا يجعل العلماء ممن يتكلمون في الناسخ والمنسوخ من دلالات نفي النسخ والميل إلى تخصيص العموم أو الجمع بين الآي إذا جاءت آية بعد آية معطوفة على ما قبلها، فإذا عطفت الآية على ما قبلها من الآي وكانت تلك الآية مخصِّصَة لما سبق فإنه يؤخذ على تخصيصها، ولا تحمل على أنها ناسخة للآية السابقة، ولهذا في قول