وهذا ما مال إليه بعض المحدثين كالإمام البخاري رحمه الله، فقد نص على وجوب العمرة في كتابه الصحيح، فقال: أبواب وجوب العمرة، ويكون وجوبها في العمر مرة، وهذا مما لا خلاف فيه أيضًا عند العلماء، وإنما يختلفون في الزمن الذي يستحب للإنسان أن يتابع فيه بين الحج والعمرة، هل يعتمر كل عام؟ أم ينوع بين هذا وهذا؟ ولكن الذي يشكل على الاستدلال بهذه الآية أن قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] أن هذه الآية نزلت في السنة السادسة من الهجرة، ولا يختلف العلماء في ذلك، وإذا قلنا: إنها نزلت في السنة السادسة فإن الحج حينئذٍ لم يجب بعد، وإذا قلنا: بوجوب العمرة، فيلزم من ذلك أن الحج قد وجب قبل قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] ، والعلماء متفقون على أن الحج لم يفرض إلا بعد ذلك، فلو قلنا: إن هذه الآية فيها دلالة على وجوب العمرة، فمن باب أولى أن يكون ذلك في الحج؛ لأن الحج قدم على العمرة في هذه الآية، في قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] ، فإذا لم يجب الحج بهذه الآية، فمن باب أولى أن العمرة لا تجب، ولكن نقول: إن الله عز وجل حينما قرن العمرة بالحج، وأوجب الله عز وجل الحج بعد ذلك، ثم اتفق السلف الصالح عليهم رحمة الله من الصحابة والتابعين على وجوب العمرة، كان ذلك من مواضع الإحكام الذي استدل به السلف الصالح على الاشتراك في الأحكام من جهة الوجوب بين الحج والعمرة.