ومن العلماء من قال: إن الله عز وجل إنما جعل الأشهر جمعًا وذلك أن العرب تذكر الكل وتريد به البعض. وذهب جمهور العلماء إلى أن أشهر الحج إنما هي: شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة، وهو قول عبد الله بن مسعود كما رواه ابن جرير الطبري وكذلك ابن أبي شيبة من حديث أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله أنه قال: أشهر الحج هي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. وجاء هذا أيضًا عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، كما رواه عنه مقسم، وجاء أيضًا عن عبد الله بن عمر كما رواه البيهقي وغيره من حديث نافع عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله، وجاء هذا عن جمع من السلف، فروي عن مجاهد بن جبر و طاوس بن كيسان وغيرهم، وذهب إلى هذا من الأئمة الأربعة الإمام أحمد و أبو حنيفة والإمام الشافعي. وقد اختلف قول الإمام الشافعي في ذلك، فتارة يقول: إن عشر ذي الحجة هو بليلتها بخلاف يومها يعني: أن يوم النحر ليس من أشهر الحج، وإنما ليلة النحر، خلافًا لقول أحمد، و أبي حنيفة. وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن أشهر الحج، هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة تامًا، ويستدل بهذا العموم في قول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197] . قالوا: وذلك أنه جاء على صيغة الجمع. ولكن العرب تطلق الكل وتريد به البعض، ووجه ذلك أن الإنسان يقول لأحدٍ: رأيتك في شهر كذا وفي يوم كذا، أو في سنة كذا، ولم يره في العام كله، ولكن رآه في بعضه، وربما رآه في أول العام ولم يره بعد ذلك، فهو يطلق الكل ويريد به البعض، يعني: رأيتك في بعض سنة كذا، أو في ساعة من عام كذا، وكذلك في الأيام والليالي، وأيضًا الأشهر. إذًا: فإطلاق قول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] على أنه يراد بها شهر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة سائغ.