وما نهاهم الله عز وجل عن ذكر الآباء، وذلك أن ذكر الآباء في ذاته ليس محرمًا، ولكن ينبغي للمؤمن وخاصة مؤدي النسك أن يعظم شعائر الله عز وجل، وأن يكون عمله خالصًا لله، لا قاصدًا شيئًا من المفاخرة، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ووالده والناس أجمعين) ، يعني: أن الله عز وجل ما نهى الإنسان عن محبة المال والولد والوالد، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام هنا يبيّن أن الإنسان إذا أحب ماله وولده ووالده أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك قدح في إيمانه، وهذا ليس فيه تضمن للنهي عن محبة المال والوالد والولد، وهذا نظيره في أن الله عز وجل أمر بذكره جل وعلا أكثر من ذكر الآباء، وذلك أنهم كانوا يذكرون آباءهم، بل إنهم إذا دعوا الله عز وجل دعوا الله عز وجل بما يعلمون من ذكر آبائهم، حتى إن منهم من إذا كان لأبيه شيء من المال ذكر مال أبيه، وسأل الله عز وجل أن يعطيه كمال أبيه، وكأنه يريد في ذلك أن يفاخر غيره بمال أبيه، وما له من سالفة في الأمر، ثم يدعو الله عز وجل بأن يعطيه ما أعطى الله عز وجل أباه، وهذا موضع النهي أن الإنسان يذكر آباءه في مثل هذا الموضع أكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، وفي هذا إشارة إلى أن القلوب إذا تعلقت بغير الله عز وجل جرى ذلك على ألسنتها، فالإنسان حينما يذكر الله جل وعلا أكثر من غيره؛ دل على أن القلب تعلق بالله عز وجل أكثر من غيره، وإذا ذكر غير الله أكثر من الله؛ دل على أنه قد تعلق غير الله بقلبه أكثر من الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر معلوم.