قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث ابن وهب عن ابن زيد قال: كان الناس في الموقف ثلاثة: رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، وأهل الكفر وأهل النفاق، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ممن معه، فيقولون: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] ، وأما أهل الكفر، فإنهم كانوا يقولون: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200] ، وأما المنافقون فهم الذين قال الله عز وجل عنهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204] ، فهؤلاء الذين يفعلون الأمر نفاقًا، سواء كانوا في المناسك أو في غيرها، وهذا كما أنه في أيام المناسك، وفي أيام منى فهو أيضًا في غيرها، فلا ينبغي للإنسان أن يكثر من سؤال الله عز وجل الدنيا ويعرض عن أمر الآخرة فلا يسأله إياها، وهذا حاله كحال الذي في الموقف يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200] . وهذا أمارة على أن الإنسان إذا وجد من نفسه أنه يسأل الله دنيا ولا يسأله دينًا ولا توفيقًا فهذا علامة على حرمانه، وشرك في قلبه من دون الله سبحانه وتعالى، إما أن يكون من الرياء وهذا أدنى، وإما أن يكون من الشرك الأكبر، يحب شيئًا من الدنيا أعظم من حب الله، ويخاف شيئًا من الدنيا أعظم من خيفة الله سبحانه وتعالى، وهذا أيضًا مما يعرف به الإنسان النفس في مقامها بين النفاق، وكذلك أيضًا الكفر.