من هذه القرائن: أن ينقض العهد وهو بين ظهرانيهم، فلا ينزل به عقاب، ولا يظهر منهم استنكار لذلك النقض، ومن ذلك أن يظهر منهم مدد له، سواء كان بين ظهرانيهم أو كان خارجًا عنهم، فإن هذا من النقض، بل ما هو أبعد من ذلك لو أن الأمة المعاهدة دعمت غيرها كفئة ثالثة على المسلمين، كانت مناقضة ولو لم تباشر بنفسها، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في المدينة كان اليهود ثلاث طوائف: بنو النضير وبنو قريظة، وبنو قينقاع، فهؤلاء ثلاثة طوائف، أما بنو قينقاع فالنبي عليه الصلاة والسلام أجلاهم ابتداءً، وأما بنو النضير فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم لما أرادوا قتله برمي الحجارة عليه، لما ذهب إليهم النبي عليه الصلاة والسلام يريد منهم دية لرجل من بني عامر؛ وذلك لأن بينهم وبني عامر حلفًا، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام منهم أن يدفعوا شيئًا من الدية، فأرادوا قتل النبي عليه الصلاة والسلام فنقض عهدهم بذلك، وأما بنو قريظة لأنهم لما علموا بقتال المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناصروهم على رسول الله، وهم في ذاتهم لم يباشروا شيئًا، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام عهدهم في ذلك منقوضًا. ولهذا نقول: إن الأمر بالدخول في العهد شامل للأفراد والجماعات، ومن كان منطويًا تحت اللواء، فإنه يؤاخذ بجريرة قومه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن أخذه بجريرة قومه، قال: إن أخذناك بجريرة قومك، وهذا في حال الأمة المناقضة، وفي الزمن المعاصر ثمة مسائل شائكة، وهي ما تتعلق بالدول، وتتعلق بالجنسيات، وتتعلق أيضًا بالحلف وغير ذلك، فهذه أيضًا من المسائل الشائكة التي تحتاج إلى شيء من التفصيل في غير هذا المجلس بإذن الله تعالى.