فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 1575

ثم أيضًا قال: خطوات الشيطان، إشارة إلى تقليلها، والتقليل هنا يؤخذ منه معان: أولها: أن المراد بذلك التقليل، وأن المحرمات التي حرمها الله عز وجل على الإنسان قليلة، بالنسبة لما أباحه الله سبحانه وتعالى، فالأصل فيما خلقه الله عز وجل للناس هو الوفرة والكثرة، ولهذا يقول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة:29] ، يعني: ما في الأرض جميعًا، إشارة إلى أن المحرم لا يستحق الذكر لقلته، وإن كان قصه الله عز وجل علينا، ولكنه أمر نادر، فبيّن الله عز وجل أن ما في الأرض جميعًا مباح، وأن أمر الشيطان هو خطوات يسيرة من هذه الأرض، ولهذا قال: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [البقرة:168] .المعنى الثاني: أن في هذا معنى في قوله: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [البقرة:168] ، يعني: أن الشيطان يتدرج بابن آدم بالوصول إلى المعاصي، فلا يوقعه في الكبيرة مباشرة، فلا يدعوه إلى الزنا، وإنما يدعوه إلى مقدماته، إلى سماع مجون، أو سماع وصف، وإطلاق بصر، أو غير ذلك، أو غناءٍ محرم أو نحو هذا، حتى يوصله إليه، فلا يمكن لأحدٍ أن يقع في زنًا إلا وقد بدأ بأولى خطواته، وكأن الشيطان يستعمل طريقة الإيناس في بني آدم، كحال الإنسان الذي يقود أعمى حتى لا يجفل ويقوم بالرجوع، والشيطان لو ابتدأ الإنسان بالوقوع في الكبيرة مباشرة ما وقع فيها، ولا يدعوه إلى القتل مباشرة، وإنما يدعوه إلى الانتقام بالغيبة، والسب، والتعيير؛ لأنه يدرك أن وصوله إلى الكبيرة بلا خطواتها لا يمكن أن يصل إليها؛ لأن النفوس تنفر من الكبائر أشد من نفرتها من غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت