فهرس الكتاب

الصفحة 584 من 1575

وأما بالنسبة للإنسان فهو يحتمل الأمرين، فيرجو الإنسان الخير أن يتحقق، وقد يكون خيرًا وقد يكون شرًا، وأما بالنسبة لذات الإنسان فإنه يحب الخير ويكره الشر، وإنما ذكر الله عز وجل (عسى) هنا وإن كانت تستعمل في كلام الناس في الترجي، وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216] إنما ذكرها الله عز وجل في مثل هذا الموضع حتى لا يأمن الإنسان من مكر الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الإنسان إذا أقبل على الشيء الظاهر ربما فرط وقصر في الأمر الباطل، فوجد في شيء من قلبه ما يمنع تحقق الخيرية، فيكون أمره في ذلك لغير الله سبحانه وتعالى، ولهذا هناك من يقاتل من الأفراد في ظاهره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لله، وهو من أهل النار، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في رجل: إنه من أهل النار وهو يقاتل، وذلك لما رأى بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من شدة بأسه بالمشركين، فتبعه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جرح جعل حد السيف بين ثدييه، ثم وضع موضع يده على الأرض فتحامل عليه حتى قتل نفسه، ومثل هذا دليل على ضعف الباطن، والإنسان إذا التفت إلى الأمر الظاهر ضعف الباطن، وإذا التفت إلى الأمر الباطن مجردًا ضعف الظاهر كحال كثير من ولاة التأله والرهبانية ونحو ذلك الذين عطلوا الشعائر الظاهرة بتزكية الباطن مجردًا، وهذا نوع من الجهل، ولهذا نقول: لا رهبانية في الإسلام، وذلك أن الرهبانية لازمة غير متعدية، فهي لازمة لذات الإنسان، وليست متعدية إلى غيره، من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح الناس، والقتال في سبيل الله، وصلة الأرحام، والسعي في الأرض في الأمور المباحة، والتكسب بما أباحه الله عز وجل، فهي لازمة لذات الإنسان، ولهذا نفاها الله عز وجل وجعلها رهبانية ابتدعوها ما كتبه الله عز وجل عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت