فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 1575

وهذه طريقة أهل الضلال أنهم يستدركون على أهل الحق ما هو دون ما يرتكبونه، ولو نظروا إلى ما ارتكبوه لعلموا أن ارتكابهم له يسوغ لأهل الحق أن يخرموا ما دونه، ولهذا أجاز الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام القتال في بعض الأشهر الحرم للمشركين؛ لأنهم يصدون عن المسجد الحرام ويقطعون السبيل، فأراد الله عز وجل من نبيه عليه الصلاة والسلام أن يعيدهم بذلك إلى الحق، حتى يوحد الله عز وجل عند بيته ومسجده الحرام. وقوله جل وعلا: وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة:217] ، والمراد من ذلك هو إخراج النبي عليه الصلاة والسلام، فإن كنتم لا تقاتلون في حدود الحرم، ولا تقاتلون في الأشهر الحرم ولو خارج الحرم، فلماذا أخرجتم النبي صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه، وأخرجتموهم من بيوتهم إلى غير المسجد الحرام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تعبدًا عند المسجد الحرام، فهم في ذلك أصحاب هوى، وبهذا نعلم أن طرائق أهل الضلال في كل زمن أنهم ينشغلون بحقائق الأدنى عن حقائق الأعلى. وفي هذا أنه ينبغي لداعي الحق وكذلك المصلح، والعالم ألا يلغي الحقائق عن قيمتها لأجل النكاية بالخصم، ولهذا الله سبحانه وتعالى لما أنزل حكمه على رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر القتال بيّن حكم الأشهر الحرم والقتال فيها، فقال: قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217] ، يعني: أن الحكم لم يتغير، وهو ثابت في ذلك، وأن اختلالكم في هذا الوزن وجهلكم لما هو أولى منه ينبغي ألا نجهل حقيقة هذه الرتبة التي جعلها الله عز وجل عليها، ولكن نستدرك أن هذه الرتبة دون ما هو أعظم منها، وهذا إنصاف للحق بذاته، لا إنصاف للخصوم؛ لأن غض الطرف عن حقائق الأشياء في مواضع النزاع، وكذلك الخصومة يفضي إلى الجهل بها، وكذلك فإن معرفة أحكام الله سبحانه وتعالى متعلقة بالله جل وعلا لأنه المشرع، وإلغاؤها إلغاء لتشريع الله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت