ولو علمنا مقدار المال، والفرق بينه وبين الربا: أن الربا علمنا فيه مقدار المال، وعلمنا مستحق المال، أما بالنسبة للقمار والميسر فقد عرفنا فيه مقدار المال، ولكن جهلنا مستحق المال، فوقع حينئذٍ التحريم؛ لأننا لو علمنا مستحق المال فخرج من الإنسان بطيب نفس منه؛ لكان ذلك هدية وعطية، وأصبحت تلك اللعبة ونحو ذلك إنما هي عبث في استحقاق المال؛ ولهذا نقول: إن الإنسان قد يعطي ماله غيره، فيعطيه دينارًا أو مائة دينار أو ألفًا أو غير ذلك، فحينئذٍ عرف المقدار، وعرف الذي أعطاه، المال عينًا، فهذا جائز من جملة الهدايا. وأما إذا كان الإنسان يجهل مستحق المال، إما هو أو صاحبه، أو صاحبه، أو صاحبه الآخر، فإن ذلك جهالة في مستحق المال وقابضه حينئذٍ يحرم، لأن الجهالة مدعاة للشحناء والبغضاء، كل يتشوف إليه، بخلاف لو عرف الذي يعطى المال لم تتشوف النفوس إليه، وإنما تتشوف إليه نفس واحدة عرفت، ولهذا يجوز للإنسان أن يعطي غيره هدية ألف دينار، ولا يجوز له أن يقامر على درهم واحد، ولهذا من يعلل جواز الميسر والقمار أنه خرج بطيب نفسٍ منه أن يعطيه، نقول: دافع المغالبة والجهل في ذلك هو الذي لأجله حَّرم الله عز وجل الخمر والميسر، ولهذا جعل الله من علل تحريمه وحسمه لأمر الخمر والميسر أن الشيطان يريد أن يجعل بين المسلمين البغضاء في الخمر والميسر، وما هي البغضاء؟ هي النفوس إذا تشوفت إلى حظ، وتغالبت عليه ثم غلب واحد عليه وقع في ذلك في نفس الإنسان على من غلبه، ولهذا جازت الهدية بطيب نفسٍ ولو علت وحرمت الجهالة والغرر، ولو كان أمرًا يسيرًا.