كذلك في آية النساء في قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10] ، هيبت هذه الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وكذلك ما جاء في آية الإسراء، وما جاء في آية الأنعام تهيبوا ذلك مال اليتيم، ثم أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد سؤالهم ذلك هذه الآية؛ إشارة إلى أنه يجوز لهم أن ينفقوا من مال اليتيم عليهم وعلى أنفسهم بمقدار ما لا يضر بمالهم، وألا يكون ذلك لحظ أنفسهم، وكذلك مغالبة أو تربصًا وترصدًا، فأنزل الله عز وجل ذلك على رسوله صلى الله عليه وسلم هذه الآية بيانًا لأمر الموازنة. وذلك أن العرب كانوا على فئتين: فئة ينفرون من مال اليتيم ويتشاءمون منه ولا يقربونه، ويتقون الشؤم من أن تمتد إليه أيديهم، وذلك بأخذ دينار على سبيل السهو والغلط، أو تختلط أموالهم فربما تمحق في ذلك البركة، فأنزل الله عز وجل هذه على رسوله صلى الله عليه وسلم موازنة بين الأمرين: بين الذين يتسامحون ويسرفون في ذلك، وبين الذين يشددون ويحتاطون، ولهذا قالت عائشة عليها رضوان الله كما جاء عند ابن جرير وغيره، من حديث حماد عن إبراهيم عن عائشة عليها رضوان الله، قالت: إني لا أحب أن يكون مال اليتيم عرة. يعني: مما يستقذر، يأنف الإنسان من قربه حتى أخالط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي، يعني: أن يكون معي في ذلك، وهذا ظاهر في قول الله عز وجل: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ [البقرة:220] ، يعني: تعاملوا معهم من جهة المال كتعامل إخوانكم الأحياء الراشدين من جهة المال، فلا يأخذ الإنسان من مال أخيه إلا بالمعروف، فلا يأخذه مغالبة أو ترصدًا أو محاولة للمكر أو الاستنفاق والاستهلاك، فبيّن الله عز وجل هذا الأمر من أمر الموازنة.