فمن قال: إن هذه الآية هي بيان لمدة الرضاع لا لحكمه، استدل بآخر هذه الآية، أن الله سبحانه وتعالى يقول: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [البقرة:233] ، أي: لا حرج عليكم أن تسترضعوا، فالله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أمر مدة الرضاع، ولم يذكر له سبحانه وتعالى ذلك في أمر الوجوب، وتقدم معنا الخلاف في هذه المسألة، وأنها على ثلاثة أقوال، وتقدم معنا ذكر الخلاف في هذا، وذكرنا حمل بعض العلماء هذه الآية على الوجوب، وحمل بعضهم على المدد، ويستدلون بأن آية الطلاق إنما هي على المطلقة، وهذه جاءت على بيان العموم، والعموم يتعلق بأمر بيان الضوابط العامة لها، على الوجوب العيني في ذلك، وثمة قرينة تفيد الوجوب في ذلك، وهي: مسألة الرزق والكسوة أنه يجب عليه إذا كان ثمة أجرة في ذلك قالوا: فيجب، وهذه قرينة ضعيفة في مقابل ما يأتي ما جاء بعد ذلك من صريح القول مثل قول الله جل وعلا: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [البقرة:233] .منهم من حمل هذا على التعاسر، كما جاء في سورة الطلاق، قالوا: أنه لا يسترضع للولد إلا عند التعاسر وعدم التراضي بين الزوجين، فإذا تعاسر الزوجان أو الوالدان في أمر الرضاع، فإن الوالدين يقومان باسترضاع المولود بمرضعة أخرى، وهذا قيد صحيح، ولكن نقول: إن التعاسر في ذلك هو بيان لمخرج للإصلاح؛ حتى لا يغلق الباب، أنه لا بد أن تكون الأم في هذا وإلا لا رضاع، فإنه قد يكون في ذلك شيء من الإضرار الذي يكون بالولد، فربما يتخاصم الزوجان في مسألة الرضاع، ولا تريد الأم أن ترضع ولدها اتكالًا على الولد، والوالد لا يريد أن يسترضع اتكالًا على الأم، فيتضرر في ذلك الولد، فالله جل وعلا قد جعل في ذلك مخرجًا حتى لا يتضرر المولود، وهو أن يسترضعوا له، وستأتي مسألة الاسترضاع في ذلك.