هذا اختلف فيه العلماء على قولين: القول الأول: ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو قول الإمام مالك و الشافعي والإمام أحمد , وكذلك قول أبي حنيفة في رواية, وذهب إليه أصحاب أبي حنيفة: محمد بن الحسن , و أبو يوسف , إلى أن المهر لازم, بالنصف إذا طلقها فرض لها في العقد, أو فرض لها بعد العقد, شريطة أن يكون ذلك قبل الطلاق, وإذا طلقها ثم فرض لها شيئًا بعد طلاقه, كأن يطلقها أن يعقد عليها السبت, ثم يطلقها الإثنين, ثم يقول: إنني قد بيت في نفسي, أو تستحقين ألفًا أو ألفين, فهذا ضرب وقع بعد الطلاق, فلا عبرة به. وأما من جهة التبرع والتطوع فهذا باب آخر, وأما من جهة فرض الشريعة, فإن المطلق لا يجب عليه في مثل ذلك إلا ما فرض لها قبل طلاقه. والقول الثاني: ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله, وقيل: إنه رجع عنه إلى أن فرض المهر بعد العقد أنه ليس بمعتبر ولا بملزم, ولا يوجب للمرأة النصف إذا طلقها قبل أن يمسها, وهذا قول ضعيف, وأما ضعفه فإن ظاهر الآية يخالفه, وذلك أن الله عز وجل يقول: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:237] .يعني: هذا في موضع حال, في قوله: وَقَدْ فَرَضْتُمْ [البقرة:237] , يعني فرضتم متى؟ فرضتم قبل الطلاق, فكل وقت قبل الطلاق فهو داخل في هذا الباب, فإذا نزل الفرض, فرض المهر في مثل هذا الموضع, فإنه يلزم الزوج بأن يدفع للمرأة نصف المهر, وهذا ظاهر الآية. وأما بالنسبة لضعفه من وجه آخر, أن أبا حنيفة عليه رحمة الله, فرق بين العقد وبين فرض المهر, والفيصل في ذلك من جهة الإلزام والشروط وغير ذلك, أبو حنيفة رحمه الله يرى أن الشروط تابعة للعقد, إذا اتفق عليها الطرفان بعد العقد فإنها ملزمة, ما لم يكن ثمة شيء داخل في بعد النكاح, فهذا لا يلتزم فيه من جهة العقد, بحيث يربط بفساد العقد أو صلاحه, فهو يرى هذا.