ونقول: إن الله عز وجل بيَّن الحكم ثم أثبته وأكده في المدينة، لأن اطلاع الناس على الحكم في مكة قليل باعتبار قلة أهل الإسلام في ذلك الزمان، ولكن لما دخل المدينة وضبطت الصلاة، وقننت على الصلوات الخمس بركعاتها من جهة العدد ومعرفة سننها ورواتبها واشتهار الناس في دخولهم للإسلام بعد ذلك وأمر النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا بحاجة إلى معرفة الأحكام الزائدة في هذا الأمر، فجاءت الآيات تأكيدًا في هذا الباب، ومنها قول الله جل وعلا: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] ولا إشكال أن يتأكد الأمر على مسألة واحدة. ولهذا نقول: إذا كانت القضية في مسألة حكم سابق، فإن الله عز وجل بين وجوب المحافظة على الصلاة قبل ذلك في مكة، ومع ذلك يقول الله جل وعلا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] ، فنقول: إن ثمة تأسيسًا وثمة تأكيدًا، فالأدلة منها ما هي مؤسسة، أي: أنها تبين الدليل ابتداءً، ومنها ما هي مؤكدة، يعني: تؤكد دليلًا بينًا ثابتًا قبل ذلك، وهذا مما يثبت الدليل ويؤكده بعد تأسيسه وبيانه قبل ذلك في مكة.