واختلف كلام المفسرين في ذلك في قيامه، هل يكون ذلك عند النشر أو عند العرض؟ من العلماء من قال: إن قيامه ذلك عند النشر، حينما ينشر من قبره يقوم كحال المجنون مخنوقًا، ومنهم من يقول: إن المراد به: قيامه يوم القيامة في العرض، بين يدي الله سبحانه وتعالى، وربما يكون الأمر في الحالين، فالخلاف الوارد في ذلك ليس اختلاف تضاد، أي: أن من يقول: إنه يقوم هنا لا ينفي أنه يقوم في الحالة الأخرى، وربما أنه يقوم في الحالين، فعند النشر وعند الحشر والعرض عند الله سبحانه وتعالى. وقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة:275] ، لماذا ذكر الله عز وجل الأكل وما ذكر غيره أو أخذه، وما قال: الذين يأخذون الربا؛ لأنه من الربا ما لا يؤكل، وذلك كالملبوس والمسكن والمركوب وغير ذلك، لأن أعظم وجوه المنافع هي الأكل والاستمتاع بها، فذكر الله سبحانه وتعالى ذلك. ومن الوجوه في هذا: أن الله سبحانه وتعالى ذكر الأكل؛ لأن أصل ذلك هو الإزالة والإتلاف والإهلاك، فما أخذه الإنسان وأتلفه يقال: أكله فلان يعني أفسده، وأهلكه على غيره، فكان هذا عامًا بهذا المعنى على الحالين. قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [البقرة:275] ، الربا في لغة العرب هو: الزيادة، فلهذا يقال في الربوة وهي المكان المرتفع من الهضاب والجبال، باعتبار أنها مرتفعة عن غيرها، وسمي الربا ربًا لأنه لم يكن على حال المال الذي يأخذه الإنسان وإنما يزاد في ذلك. وقوله هنا: لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] ، هذه فيه حكاية حال أهل الربا يوم القيامة، وإذا كانت هذه حالهم يوم القيامة فما أخذوا بذلك إلا بذنب، وإلا الأصل في هذا استقامة أحوالهم.