القول الثالث: قالوا: إن الأصل عدم الجواز ولكنه يستثنى في حالة، وهي: أن الإنسان إذا كان يطلب أحدًا مالًا ثم أسقط زكاة المال الذي عنده من المال الذي على الفقيه، فهو لم يسقط المال نصاب الزكاة التي عنده في ماله، وإنما أسقط نصاب الزكاة الذي عند الفقير، وهذا مثاله أن يكون الإنسان لديه مبلغ من المال، كأن يكون لديه مائة ألف، وقد أدان شخصًا فقيرًا عشرة آلاف، وحال عليه الحول ولم يستطع حينئذٍ الوفاء، فيقول: إن إسقاطه لما عنده من نصاب الزكاة الذي لديه وهي التسعون، أن هذا لا يجزئ، أما إسقاطه نصاب الزكاة من العشرة التي أقرضها وهي ربع العشر، فهذا جائز، وهذا ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد قال: لأن إسقاط الإنسان وإبراءه لذمة الرجل المدين أنه أخرج زكاة ماله من جنس ماله، فهو أخرج زكاة الدين من الدين، وهذا قول له وجاهته، أما ما عدا ذلك فلا يجزئ، فلا يقول الإنسان: إني أنا لي الآن وجبت علي الزكاة، وقيمة الزكاة عندي مثلًا ألف أو ألفان، وأطلب فلانًا كذا، فأقوم بإبراء ذمتي، فهذا ليس بصحيح، لماذا؟ نقول: أولًا: أن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ذكر الإنظار وحث عليه في قوله جل وعلا: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280] ، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الصدقة، وما أمر بإبراء الذمة وإنما أمر بالتصدق عليه ولو كان أمر الزكاة يسقط على الإنسان الدين لحث الشارع عليه؛ لأنه أولى من الصدقة، ثم إن الله جل وعلا قد جعل الزكاة على صفة معلومة تؤخذ من مال الإنسان ثم توضع في الفقير، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103] ، وكذلك في حديث عبد الله بن عباس لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذًا إلى اليمن، قال عليه الصلاة والسلام: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة