وهذا القيد ما الدليل عليه؟ الدليل عليه إجماع السلف، إجماع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أن الجنب إذا توضأ جاز له أن يدخل المسجد، وذلك كما جاء عند سعيد بن منصور وغيره من حديث زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيتون في المسجد فيجنبون ثم يتوضئون ثم يرجعون، يعني: أن الوضوء في ذلك يرفع شيئًا من الحدث الأكبر ويخففه، فإذا توضأت المرأة واستذفرت جاز لها أن تدخل المسجد ولو كانت حائضًا، ومن القرائن في هذا: أن مثل هذا النهي يقتضي الاستفاضة والوضوح والإحكام في الدليل والبيان، ومعلوم أن الحكم في الجنب جاء أصرح من أمر الحائض، مع أن الرجال والنساء يدخلون إلى المساجد، وإن كان الرجال يدخلون في ذلك أكثر وأشهر وأكثر استفاضة، وذلك لوجوب الجماعة عليهم، إلا أن الله سبحانه وتعالى بين في أمر الجنابة وما بين في أمر الحيض والحيض في ذلك أغلظ، ثم مع شدة البيان ووضوحه في أمر الجنابة جعل الله جل وعلا ذلك بينًا، والصحابة ترخصوا فيه إذا توضئوا، فكأنهم جعلوا الوضوء رافعًا مخففًا لشيء من الجنابة، يجيز له أن يدخل في المسجد، وكذلك الحيض من باب أولى. ولهذا نقول: إنه لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي صريح للحائض وصحيح للحائض لدخولها المسجد، وإنما هي أدلة عامة في النهي، وقد كان أهل الصفة رجالًا ونساءً يمكثون في المسجد، وكذلك المرأة السوداء التي كانت تقمّ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا نقول: إذا تطهرت فإنها تدخل بشرط أن تكون مستذفرة لكي لا تنجس المسجد.