ضرب الله عز وجل مثلًا في عمل الكافرين في هذه الدنيا أنه كحال الريح, الريح التي تصيب إما حرثًا أو زرعًا إذا كان فيها برودة شديدة أو كان فيها حرارة، فإنها لا تبقي من ذلك الزرع شيئًا, ولهذا الله عز وجل قد ضرب بعمل المشركين والكافرين بحال الريح التي تصيب الزرع والحرث. وقول الله عز وجل: (( صِرٌّ ) ), اختلف العلماء في المراد بذلك, جاء عن عبد الله بن عباس ومجاهد بن جبر وسعيد بن جبير على أن المراد بذلك البرد الشديد, وقيل: البَرَدَ الذي يصاحب المطر والريح في يوم عاصف, فإنها لا تبقي ولا تذر من الزرع شيئًا. وقيل: إن المراد بذلك النار التي تأتي إلى العمل أو تأتي إلى الزرع أو تأتي إلى رزق الإنسان ومتاعه فتهلكه ولا تبقي منه شيئًا, وهذا إشارة إلى فساد العمل بعد قيامه وإنشائه, فالكافر ينشئ العمل ثم يفسده الله عز وجل عليه بألا ينتفع منه في الآخرة, وأما بالنسبة لانتفاعه في الدنيا فالله عز وجل يعجل للكافرين طيباتهم, وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء. بين الله سبحانه وتعالى أن سبب عدم قبول الله عز وجل لعمل الكافر حال كفره أن سببه الظلم, وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ [آل عمران:117] , والمراد بالظلم هنا الشرك, والظلم إذا أطلق في كلام الله عز وجل فيراد به الكفر, وهذا ظاهر في مواضع عديدة، كما في قول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] , يعني: بشرك, كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود , وكذلك في قول الله عز وجل على لسان العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] , والمراد بالظلم، هو: الشرك, وذلك أن أعلى الظلم هو أن يكفر الإنسان بخالقه, والظلم في لغة العرب هو وضع الشيء في غير موضعه.